اللواح الخروصي سالم بن غسان حياته وشعره
الجزء ١ · صفحة ١٧٢-1856 -
وبعد
عد أن أيقن أن ذلك طيف خيال مرّ عليه في نومه، شده الشوق إلى تلك الأماكن ورجا أن يمتطي العيس ليقطع بها المفازات الشاسعة: (1)
متى متى العيس ينكحن الهجول بنا وتمسح المعج والإيغال والعنقا وتخبط الآل بالأخفاف تحسبها بنات ماء الغوادي تخبط الغدقا تُخفي وتظهر ساعات فتحسبها أهلة في السحاب انضم وافترقا إن هجرت روحت أو أصلت بكرت وتوضح الليل بالإرقال من غَسَقا هذه المشقات التي تتكبدها الإبل في قطعها الصحاري أوردها أبو حمزة في ألفاظ جزلة تسودها الغرابة، فالبيت الأول ملأه بالغريب فال (الهجول، والمعج والإيغال والعنق) كلها ألفاظ غريبة تحتاج إلى تأن لفهمها واستعانة بقواميس اللغة، إلا أنه لم يرص هذه الألفاظ دون أن يحسن استخدامها، فقد استخدمها في مواضعها المناسبة، فارتفع بها إلى اللغة الشاعرة، فانظر إليه كيف بث الروح والإحساس في (الهجول) وهي الصحاري، وحرك العيس لتنكحها. ثم يأتي إلى ذكر أصحابه الذين يجدون السرى معه، ويستعذبون الأرق فهم يبيتون ويقيلون على أكوار تلك الإبل. ومثلهم بالبزاة: (1)
وعصبة فارقوا أوطانهم وإلى ليلى أجَدُوا السرى واستعذبوا الأرقا باتوا وقالوا على أكوارِها فَهُمُ مثل البزاة على أكوارها سبقا وفي سيرهم يتناشدون الشعر (1)
تَنَاشَدُوا الشعر في ليلى لمجلسها ما كان في الشعر مقبوضاً ومنطلقا لا يَرْقُدونَ سُروراً من محبتها حتى أضاءَ منار الصبح مؤتلقا
وهؤلاء العصبة لما اقتربوا من جدة وأحرموا، قربوا إبلهم العتق، ذاهبين إلى مكة المكرمة يحدوهم الرجاء. فعندما شارفوا بيوتها، هلل الركب تكبيراً، فانهلت دموعهم فرحاً: (4) لما أتوا جدةً مِنْ بعدما حرموا فقربوا اليَعْمُلات النمل العتقا راحوا لليلى على حسب الرجاء بها يغدو بهم أخمس الساقين محترقا وعندما شارفُوا ليلى وقَدْ نَظروا تلك المناثر في حافاتها السمقا فهلل الركب تكبيراً ومن فرح بكوا ويبكي أخو الأفراح مشتفقا
(1) نفسه 156/ 1 (2) الديوان 156/ 1 (3) المصدر السابق 156/ 1 (4) نفسه 156/ 1، 157