الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٢٥-
125
باب
في صفة ابتداء الدخول في الزهد
كتبت تسألنى الأدب وهو مبتدأ الدخول فى الزهادات والصفة التي يفوز بها من أخذها ودام عليها، فنعم الكرامة، وأنا واصف لك ذلك ان شاء الله تعالى:
تجاهد جميع
اعلم رحمنا الله واياك، أن مبتدأ الدخول في الزهادات بعد أن النفس بقطع فضول الشهوات عنها من الطعام والشراب، واحملها على القوت الكافى دون الشبع بالليل والنهار، حتى يصير الجوع لها شعارا، والعطش لها دثارا لمن أراد الدخول في ذلك، ولا قوة الا بالله
ويجعل لنفسه طعاما معلوما، وليطرح عند موته الادام، وليجعل طعامه معلوما يكون الكثير ان شاء الله غداء وعشاء، وان شاء عشاء
وسحورا اذا أراد الصوم، والصوم أقوى وأسرع به في السير
ولا يجعل طعامه أكلة واحدة اذا جمع قوت يوم وليلة في مقعد طال نومه، وغلبه ليله، وليس به جوع فتنقطع النفس في تلك الحالة الى فضول الشهوات، ويتمناها، ويثقل جسده باجتماع الطعام في بطنه، وامتلاء جوفه، فيشتغل جسده عن العبادة والصلاة، ولكن ليجوع نفسه حتى يشتغل بالجوع من القطع في فضول الشهوات والتمنى لها، فانه ان أكل فى النهار فى ثلث بطنه أو نصف بطنه لم تزل نفسه تتشهى الطعام، وتشتغل عن غيره الى الليل اذا أكل الليل كما هو أكلها بالنهار، فاشتغلت به شهوة الطعام الى الصباح، فلا يتمنى الفضول من الشهوات، ولا يطلع عليها.