الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٢٨128
-
أكبر المنازل، فان شاء فليدم عليها الى الممات، وان شاء فلينزل منزلة الشوق الى الجنة، ثم يجود بها من غير أن يكون فارقه منزلة الخوف، ومنتهى الخوف في الشوق الى الجنة أن يفكر فى نعيم الجنة ولذتها، وما أعد الله فيها لساكينها من أنواع الكرامة والألطاف والخدم، ويشوق نفسه الى الحور العين والنعيم الدائم المقيم
فان مضى به يوم واحد وهو يكابر نفسه الى الشوق، ويريدها الى الجنة وما فيها، نظر الله اليه اذا علم منه النية الصحيحة في الاجتهاد، فأسكن قلبه شيئا من نور الشوق الى الجنة، حتى اذا تم له أربعون يوما كمل نور الشوق فى قلبه، وصار الغالب عليه وأنساه الحزن الذي كان في قلبه من الخوف من غير أن يكون نقص من نر الخوف، ولا فارقه فهو حينئذ المشتاق الصب، الشديد الحب، الكلف الهائم العاشق العائم، الغريب المعروف، الدائم الاحسان الدائم الاحسان، لا تشغله الأشغال، ولا تحزنه المصائب، ولا تمرضه النوائب، الصادق المشتاق، فلست تلقاه الا مستبشرا مسرورا بما فى قلبه، غير بخيل ولا منان، ولا هتاك ولا لماذ، ولا لئيم ولا نمام.
هو الصوام القوام، الذى لا يميل به السرور ولا يغره الغرور، فاذا صار هكذا فقد نزل منزلة هي أعظم وأشرف من منزلة الخوف اذا شاء، فليدم عليها حتى الممات، وان شاء فليترك منزلة المحبة، فان كثيرا من الناس جازوا منزلة الزهد والخوف والشوق الى الجنة، وصاروا فى منزلة محبة لله، وليس كل واحد وصل الى هذا الحب، ولا يصير في هذه المنزلة الا الصادق العقال الفايق المطهر من الذنوب، المبرأ من العيوب.