الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٢٩129
-
فاذا رفعه الله الى هذه المنزلة، صار فى قلبه نور المحبة لله عز وجل، فغلبت عليه من غير أن يكون فارقه نور الزهد والخوف والشوق الى الجنة، ولا ينتقص منها شيء فيصير قلبه قد امتلأ حبا لله، وشوقا اليه، ونسى ما كان فيه من الخوف، والشوق الى الجنة كرامة الله ورحمة وثوابا وانعاما بين يديه، وأجهد نفسه فى ذلك فيصير ولا شيء أحب اليه من رضا الله، واتباع محبته، والعمل بين يديه، وأجهد
نفسه في ذلك
من
فاذا مضى به يوم واحد وهو يروض نفسه ويؤديها في محبة الله، نظر الله اليه ورحمه، وألقى الله عليه المحبة، فاذا مضى به يوم آخر وهو على ذلك، زاده الله محبة حتى يصير حبه في قلوب الملائكة، وفى قلوب العباد ذلك في تمام الأربعين يوما، فاذا خلصت نيته فهو حينئذ القريب المكرم، العفيف السهل، الكريم، الكثير الخير، القليل الشر، البهى الجميل، الكثير الصلاة، الباذل الزكاة، المتجافى عن الفراش، الزاهد في الرياش.
فلست تلقاه الا مبتسما حليما مكرما، مهذهب الأخلاق طيب المذاق، لا يضن بما لديه من مال، ولا ينسى ربه في حال، ليس بالعابس الغضوب المتجهم القطوب، حسن البشر، طيب الخير، مجانب للذنوب، مبغض للكذوب لا يسعى الا فيما يحبه الله ويرضاه، فدل من سمع به أو زاره ذلك لحب الله اياه، فمثل نور الزهد والخوف في قلب العبد، كمثل كوكب طلع ينظر اليه وهو مضى ويتلألأ، فبينما أنت تنظر إذ طلع القمر، فأطفأ نور الكوكب من غير أن ينقص من نور الكوكب شيء، ولا يبرح مكانه، وكذلك الشق الى الجنة يغلب نور
الزهد
وصلى الله على سيدنا محمد النبى صلى الله عليه وعلى آله
وسلم.
(م 9 - بيان الشرع ج ه)