بيان الشرع محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثامن

الجزء ٨ · صفحة ٦٣

فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده

وهذا عندنا على الندب لا على الفرض، ويدل على ذلك ما روي في خبر أنه

قال عليه السلام: «فإنه لا يدري أين باتت يده منه إشفاقاً فإن تكن قد وقعت على موضع نجس من بدنه وهذا كان قبل وجوب الاستنجاء بالماء.

وقد خالفنا في تأويل الخبر داود ومتبعوه وذهبوا الى ان غسل اليد على الفرض بظاهر الخبر، وحكم الجنب والحائض والنفساء حكم الطاهر في الاسم، لما روي ان حذيفة بن اليمان لقيه النبي الله و سلم عليه السلام فمد يده ليصافحه فقبضها وقال إني جنب، فقال النبي عليه السلام المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً أو قال: «المؤمن لا يكون نجساً».

مسألة: ومن الكتاب قال الله جل ذكره: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، وأجمع المسلمون ان التطهر عبادة تعبد الله بها خلقه فلا تجوز إلا بنية، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: «الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فاذا لم تكن له نية لم يكن له الا ذلك العمل

،

•

ووجه آخر: وهو أن صورة الفعل وهيئته لا تدل على طاعة ولا معصية، وإنما يصير الفعل طاعة أو معصية إذا انضافت اليه النية، الدليل على ذلك قول الله عز وجل: ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيما وأسيراً إنما نطعمكم لوجه الله مدحهم الله تعالى بانفاقهم أموالهم إذا كانت المقاصد الله عز وجل. وقال في موضع آخر: الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس فذمهم بالانفاق لأنهم لم يقصدوا الله جل ذكره. بها، وقد استوى الانفاق في الظاهر وهذا منفق وذلك منفق حصل أحدهما طائعاً للاخلاص والقصد الى الله عز وجل، والآخر عاصيا لتعريه من هذا الحال مع تساويهما في الانفاق

•

وأيضا فإن الانسان لو اصبح غير ناو للصوم، واشتغل عن الأكل والشرب والمنكح حتى غربت الشمس لم يستحق اسم الصائم، ولا يسمى مطيعاً لأنه تعرى الامساك من النية، وما أتاه فهو صورة الصوم، ولو تقدم هذا الامساك نية من الليل لسمي مطيعا، واستحق اسم صائم، واذا كان هكذا فقد صح أن هيئة الفعل وصورته لا تدل على طاعة ولا معصية. وقد قال الله تبارك وتعالى: ليبلوكم أيكم أحسن عملا فالانسان إذا لم يعمل ما أمر به بقصد واختيار لم يسم مطيعاً، وإنما

63 -