الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٢٣٨وأما الخبر الذي رواه أهل الحديث عن النبي من طريق عمر وعبد الله بن عمران ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: ان الميت يعذب ببكاء (أهله فهذا خبر غير موافق لكتاب الله، ولا توجب صحته العقول، ولم يرد ورود الأخبار التي ينقطع العذر بصحتها، قال الله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر اخرى وقال جل ذكره: فكلا أخذنا بذنبه فوجه التأويل فيه، والله أعلم انه ما أمر به الميت من الفعل المحرم عليه، فهذا يعذب بذلك البكاء المنهي عنه من الفعل الذي لا يجوز، ووجه آخر أن النساء كن يبكين موتاهن بعد مجيء الاسلام، بما كن يبكين موتاهن في الجاهلية، من المدح لهم بذلك، من الافعال التي كانوا يأتونها ويتشرفون بها عندهم، فقيل إن النبي مضى بامرأة وهي تبكي على ميت، وتقول انت الذي اغرت على بني فلان، وعلى ديارهم فقتلت أبطالهم، وكذا وكذا من الافعال القبيحة في الاسلام، فقال عليه السلام لا تبكين بهذا، فان الميت يعذب بهذا البكاء الذي هو عندك مدح، والله اعلم. والبكاء على الميت على وجوه، أحدها ان يقع البكاء بالغلبة واختناق العبرة الذي لا يطيق من ابتلى به على دفعه، كالضحك. قال غيره: لعله ـ أراد الضحك في الصلاة الذي لا يريده المصلي، ولا يقدر على دفعه، فالباكي على هذه الصفة لا اثم عليه، ومنه ما يكون الباكي لغم لحقه وحزن وضيق صدر، فيكون فرجة في بكائه وجلاء قلبه واستراحة بدنه، وخروج الكرب من صدره، فهذا على هذه الصفة غير حرج ولا اثم، ومنه، ما يكون بكاؤه ويدعو الى التذلل والخضوع الله عز وجل والتذكر للذنوب على شيء في ماضي أيامه وبرغبة في المسارعة لفعل الخيرات، واتيان الصالحات ويزهده في اتيان المعاصي، ويذكره نزول الموت به، وحلوله في قبره، فالباكي على هذه الصفة يكون بكاؤه من أفضل طاعة لربه، ويقربه من خالقه، ويجتبيه اليه ويرفع منزلته لربه، وعندها ينال العبد رضوانه ومغفرته لقول الله عز وجل: (الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا اليه راجعون). الى قوله: (وأولئك هم المهتدون). فمن امتحن صبره بمصيبة فسلم امره الله، وصبر لقضاء الله وقدره، وفوض امره الى الله رجاء لثوابه ورغبة فيما عنده ومسارعة الى ما اعد الله لأهل طاعته، فهذا البكاء من أفضل ما ندب اليه،
238 -