الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٩٢الفصل السادس
فيمن يجوز له أن يفتى بالرأى
اعلم أن الذي مضى عليه أئمة المسلمين في الأحكام التي تجرى فيما بينهم، وكذلك ما كان من مسائل الحلال والحرام، التي يقولون فيها بالرأى والقياس، أنهم كانوا يختلفون فى الرأى، وكلهم على الصواب فيما يقولون، ولكن إنما يجوز ذلك لمن كان عارفاً بالكتاب والسنة وآثار المسلمين، فاجتهد رأيه راجياً التوفيق من الله. ولا القول بالرأى فما نص عليه في كتاب يسع الله أو سنة نبيه، ومن في الدين بالرأى وللقياس فقد أخطأ وضل عن سواء السبيل وذلك أن الدين قد سبق وسبقت المعرفة فيه، وقالت الحجة على من جهله، وليس الدين بحادث، مثل ما يحدث بين الناس من قبل أحكامهم، في الطلاق والعتاق والصلاة والصيام، والحج وأشباه ذلك؟
عز
ولو أن رجلا أفتى فى مسألة برأيه، فأحل أو حرم، وخالفه الآخر برأيه. فأحل أو حرم، فبرئ أحدهما من الآخر على ما خالفه فيه فهذا هو الدين، ويبرئ من هذا الذى برئ، لأن السنة قد سبقت، والآثار قد تقدمت بالقول بالرأى فى الحلال والحرام، ولم تفترق هذه الأمة على الفتيا: وإنما افترقت على النحل بما يكون من أحكام الآخره. قال الله وجل: (وَدَاود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت غنم القوم ((1) أفى كل واحد منهما برأيه وقال الله فيهما: فقتهمناها سليمان وكلا اتينا حكماً وَعِلِيماً وَسَخَرْنَا مَعَ داود الجبال يسبحن والطَّير ((2) فلم يبطل الله قول داود ولا ذمته ولا خطأه. وأشباه هذا يطول بها الكتاب
(1) من الآية 78 من سورة الأنبياء.
(2) من الآية 79 من سورة الأنبياء.