الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣٠إن الابتعاد عن الملك والسلطان في رأينا أضمن لبقاء الحكم بعيدا
عن الوراثة والسقوط في مغبَّة الاستبداد بالسلطة، وإعطاء الفرصة لكل من تسول له نفسه المغامرة للاستحواذ عليها والتاريخ الإسلامي خير شاهد على ذلك، فشهوة السلطة كادت أن تصبح أقوى غريزة لدى الإنسان، وإن الخوف آت من تمكن الملك من السيطرة بالقوة ثم الاستبداد. وحينئذ يصعب على المسلمين إزاحته.
وما يلاحظ بعد هذه المقارنة بين الإباضية وأهل السنة والجماعة في مفهوم مصطلح الإمامة، هو التقارب الكبير بين جميع الأقوال
الواردة، وخاصة بين الشيخ ابن تيمية ومحمد الشيخ بالحاج. فالأوَّل يجيز الملكية في الحكم إذا لم يقدر على الخلافة النبوية، في حين نجد الثاني يقرُّ بذلك بدون تفضيل الخلافة النبوية مع اشتراط العدالة لكل منها. كما أن ابن تيمية يجعل الملكية جائزة لبعض الأنبياء كداود وسليمان ويوسف (1)، أمَّا محمد الشيخ بالحاج فإنَّه ينطلق من هذا المثال كقاعدة عامة مسلّم بها بدون استثناء.
إن مفهوم سياق تحليل الأستاذ محمد الشيخ بالحاج في مسألة الإمامة عند الإباضية يُستنتج منه نوعية هذا الحكم الملكي، فهو كغيره من الأحكام على شرط أن يكون قد تم ذلك بالشورى، وأن يصبح اختيار نظام الحكم لكلِّ ظرف هو مبدأ الإباضية. وهذا ما يُستشفُ من ذكر الأستاذ للنظام العسكري إذا اقتضت الحكمة ذلك وإنقاذ المسلمين من خطر محدق؛ اقتداء بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد،
1 - ابن تيمية الخلافة والملك، ص 30 فما بعد.
112