الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٧بعد وفاته ضرب من الغيب، لأن الظروف لا تستقر على حال. إن علماء أهل السنة، كالإمام مالك وأحمد والماوردي والفراء وابن خلدون الذين أجازوا ولاية العهد والذين جاءوا في زمن كانت ولاية العهد فيه هي الوسيلة الوحيدة لإقامة الخلافة، قد قاموا بهذا العمل مسايرة للأوضاع السياسية وتماشيا مع قاعدة الصبر اتقاء للفتن وحقنا للدماء. ولا أدل على ذلك من اختلافهم الواضح في هذه المسألة، وخاصة ما بين القدامى والمحدثين فالشيخ ابن تيمية لا يرى
ولاية العهد طريقا للخلافة، بل هو اختيار من قبل أهل الحل والعقد. ثم إن ما توصل إليه العلماء من كلا المذهبين، وهو الاتفاق على الطرق الثلاثة للوصول إلى الخلافة ونظرا لما يحدثه أسلوب ولاية العهد من مشاكل وفتن، وهو ما صدقه الواقع، وعلى فرض أن تكون ولاية العهد كما يراه بعض السنيين عهدا كاملا ونافذا لإقامة الإمامة وليس استخلافا وفق نظرية الإباضية، فإنَّه من الأحسن في رأينا الاستغناء عن هذا الأسلوب، والاكتفاء بالأسلوبين الآخرين، لأن الواقع يذهب عكس ما توقعه علماؤنا. وهذا ما سنتعرض له في القسم الثاني من البحث.
وللمعتزلة في هذا الموضوع أيضا موقف مماثل لموقف الإباضية، حيث يعتمدون طريق الاختيار فقط، وهذا ما يفهم من كلام القاضي عبد الجبار المعتزلي القائل: وعند المعتزلة أنَّه العقد والاختيار» (1). ولم يتعرض المعتزلة لهذا الأسلوب من التولية، ولم يقروا به كطريقة للتنصيب.
1 - القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ص 754/ 753. 1 -
169