الإمامة عند الإباضية بين النظرية والتطبيق: مقارنة مع أهل السنة والجماعة بكير بن بالحاج وعلي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٨

وقد استعمل معاوية كل أساليب السياسة لأخذ البيعة من الناس، فكان يداري البعيد ويعطي القريب حتى استوثق به الناس، وإذا لم تنجح هذه الطرق فعادة ما كان السيف هو الفاصل في هذه القضية. ولعل ما وقع في بيعة يزيد بن معاوية (60 - 64 هـ)، وما وقع في بيعة المهدي بن أبي جعفر المنصور (158 - 169 هـ) خير دليل على ذلك، ث إن كلا العاهدين معاوية والمنصور قد التجآ أولا إلى سياسة

اللين، ولما لم تجد نفعا هدَّدا المبايعين باستعمال السيف (1).

وقد كان للمال والعطاء الدور الكبير في ذلك، وكان الجند أصحاب الشوكة عبيد المال، فاستغل الخلفاء ذلك، فكانت الأعطيات تنزل على الأجناد بمجرد الانتهاء من المبايعة، كما وقع في مبايعة

الأمين (193 - 198 هـ)، والمكتفي (289 - 295 هـ) (2).

و لم تكن الوسائل المعتمدة واحدة، فهناك من كان اللين والحيلة سبيله، كان السيف وسيلته المفضلة كما اعتمد الآخرون وسائل

وهناك من روحية كالحج وإجماع الفقهاء والقضاة، وكتابة الكتب وتعليقها في الكعبة

حتى تتسم بنوع من القداسة، فيصعب على الخارج إنكار ذلك (3).

-1 - انظر تفصيل القصة في ابن قتيبة الإمامة، والسياسة، ج 1، ص 143. - حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 1، ص 281.

2 - ابن الأثير الكامل، ج 6، ص 100 - الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 8، ص 240. -3 - يروي الطبري كيفية أخذ هارون الرشيد البيعة لابنه فقال: وحج هارون ومحمد وعبد الله معه قواده وزواره وقضاته في سنة 186 هـ، فلما قضى مناسكه كتب لعبد الله المأمون ابنه كتابين أحمد الفقهاء والقضاة آراءهم فيهما، وجعل الكتابين في البيت الحرام بعد أخذ البيعة على محمد وإشهاده عليه بها الله وملائكته ومن كان في الكعبة معه من سائر ولده وأهل بيته ومواليه وقواده ووزرائه وكتابه وغيرهم. وذكر أن الرشيد حضر وأحضر وجوه بني هاشم والقواد والفقهاء وأدخلوا البيت الحرام وأمر بقراءة الكتاب. ج 8، ص 277 وما بعدها.

326