الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٧٩إن ما ركز عليه العباسيون في سياستهم مع الرعية هو الجانب الروحي، تأثرا بالنظرية الفارسية القائلة بالحقِّ الملكي المقدَّس. وهذا نتيجة ميلهم إلى الفرس. وفعلاً فقد كان الحكم العباسي مماثلا لما كان عليه في بلاد فارس أيام آل ساسان وأصبحت هذه النظرية فكرة ثابتة الله
في الأذهان، وأصبح الخليفة العباسي يحكم في نظرهم بتفويض من لا من الشعب، وهذا ما يظهر جليا من قول أبي جعفر المنصور: «إنما أنا سلطان الله في أرضه» (1).
ورغم ما وقع في التاريخ السياسي العباسي من استيلاء الأتراك على مقاليد الحكم، فإن الخليفة بقي محتفظا بسلطته الدينية واعتراف هؤلاء الأمراء بذلك، سواء كانوا داخل الدولة أم مستقلين بإماراتهم. والكلُّ يلجأ إلى الخليفة للحصول على التفويض بالحكم باعتباره خليفة رسول الله وقد لجأ هؤلاء إلى مثل هذه السياسة لإعطاء سلطتهم الصبغة الشرعية في نظر الشعوب التي يحكمونها. وقد اعترف يوسف بن تاشفين (2) ملك المرابطين بالمغرب بسلطة الخليفة المقتدي (3). وهذه الوضعية السياسية التي رافقت خلفاء بني العباس، وخاصة في الأخيرة، تدلُّنا على مدى التطور الذي حدث في سلطة
عهودهم
1 محمد جلال، نشأة الفكر السياسي، ص 114. - حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام،
ج 2، ص 253.
2 - يوسف بن تاشفين (410 - 500 هـ) بن إبراهيم المصالي الصنهاجي اللمتوني الحميرين أبو يعقوب أمير المسلمين وملك الملثمين، سلطان المغرب الأقصى، وباني مدينة
،مراکش، وأول من دعي بأمير المسلمين. انظر: الزركلي، الأعلام، ج 9، ص 294.
3 - حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 4، ص 308 - إبراهيم العدوي، النظم الإسلامية، ص 71/ 70.
367