الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٨٩إليك، فاحكم في ذلك بما ترى من الصواب، واستعمل من رأيت،
واعزل من رأيت، وأمض الأمور على ما ترى». ودفع إليه خاتمه. وهذا ما جرَّ الخلفاء إلى أن يسوسوا رجال بلاطهم بسياسة التملق
حتى يطمئنوا إليهم من ذلك اقتطاع الضياع لهم، والهدايا النفيسة والأموال الطائلة. ومن جهة أخرى كان الوزير لا يغفل عن تقديم المال للخلفاء ونسائهم. ومقابل هذا فلا بدَّ أن يثقل كاهل الأهالي بالضرائب والشدة والتعسف في جمعها (1).
إن الاستبداد كان دائما سيد المواقف، حيث إنه إذا كان تقييد الوزارة يتم برسائل جميلة وخلع جليلة وموكب فخم، فإن العزل يكون عادة أكثر مكرا من قتل وتمثيل ومصادرة للأموال، وملاحقات لكلِّ العائلة. وقد اشتهرت العائلة البرمكية في هذا الشأن، وكان الكثير من القادة يتجنَّب أن يسمى وزيرا بعد أن مات أبو الجهم على يد المنصور. طبيعة الملك الاستبدادي الذي لا يتورع في استعمال كلّ شيء لتحقيق كل شيء، ويجب أن يكون ذا السلطان الذي لا يشارك، والحول الذي لا يُقهر واليد الطولى التي لا يضارعها يد» (2).
هذه
هي
العصر
إلا أن هذه السياسة لم تعمر طويلا، وخاصة ابتداء من العباسي الثاني الذي بدأ فيه الضعف يدخل قصور الخلفاء، سواء لضعفهم هم كخلفاء، أو بسبب القوة التي أصابت قواد رجال القصر
1 - الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 8، ص 233. – منير العجلاني، عبقرية الإسلام، ص
226 إلى 235.
-
2 - محمد الخضري بك، محاضرات في تاريخ الأمم، ج 2، ص 120/ 119. – حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 2، ص 257 - منير العجلاني، نفسه، ص 237.
377