الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٠٩الأساس الأول: العدالة:
كان العدل والإحسان السمة التي تميزت بها الفترة الرستمية، ومن
المبادئ التي سار عليها جميع أئمتهم باتفاق المؤرخين جميعا (!). إن هذه السياسة لم تملها ظروف تلك المنطقة بتعدد جنسياتها
ولغاتها ومذاهبها، بقدر ما أملتها مبادئ الإباضية، التي طالما نادوا بها وبتطبيقها، فكانت تلك التربَةُ الأرض الخصبة لاستثمارها فيها. وقد اشتهرت بذلك الدولة الرستمية نظرا لسعي أئمتها دائما في بسط العدل بين المتساكنين .. هذا العدل جلب إليها كثيرا من التجار والصناع من العراق والقيروان وإفريقية والأندلس وغيرها (2). وقد شهد بذلك مؤرّخ الرستميين ابن الصغير، وروى عن الإمام أفلح بن عبد الوهاب وازدهار دولته، وتنافس الناس في البناء والتعمير والإقامة على أرضها من كلِّ الأنصار. فقد كان العدل والإحسان والأخوة الوسائل التي ارتكز عليها الأئمة في سياستهم الداخلية، مما جعل تاهرت مقصد الجميع. قال ابن الصغير: «ليس أحدٌ ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم، لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته
وأمانه على نفسه وماله» (3).
1 - إبراهيم بحاز الدولة الرستمية، ص 117.
2 - محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 282.
3 - وقد استعمل أبو العباس وهو أخو أفلح، مقامه ونفوذه الاجتماعي لدى قاضي الإمام أفلح أخيه. ولكن القاضي أجلسه في نفس الدرجة التي جلس فيها خصمه. ولما اشتكى أبو العباس إلى أخيه الإمام أجابه بأن ذلك هو الحق. رجع ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 36 إلى 61.
397