الإمامة عند الإباضية بين النظرية والتطبيق: مقارنة مع أهل السنة والجماعة بكير بن بالحاج وعلي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٣٨

وإذا كان من نجاح لهذا النموذج الإباضي فللعلماء والفقهاء فضل كبير في ذلك، فإذا كانوا في العصر الأموي والعصر العباسي لم يؤيدوا الخلفاء في سياستهم المنحرفة، فإنَّهم لم يفعلوا ذلك أيضا في أيام أئمتهم

المنحرفين.

وبغض النظر عن النتائج المتحصل عليها في كلا النظامين، فالملاحظ أن هناك بعض الأساليب السياسية المتشابهة بينهما، مثل الأخذ باللامركزية الإدارية، وهذه ميزة جمعت بين الإباضية والأمويين، مع فارق في التنفيذ، فالأمويون اعتمدوا على ذويهم ومن ناصرهم في السهر على الموالاة في الأقاليم البعيدة، في حين اعتمد الإباضية على

اختيار الأكفا لا لضمان الولاء بل لضمان تنفيذ أحكام الإسلام. وهذه الخاصية في كلا النظامين أدت إلى نتائج منطقية، فبالنسبة للأمويين والعباسيين في المجال الإداري، وجدنا أنه كان لزاما عليهم بث العيون ومراقبة المعارضة التي لم تترك فرصة إلا وعبرت بالدم عن آرائها، وبالنسبة للإباضية فقد أدَّت هذه السياسة الإدارية أحيانا إلى أن يفكر بعض الولاة في الانفصال (1).

أما في المجال المالي فالفارق بينهما أيضا يظهر في استقلال الجهاز المالي الإباضي عن السلطة، وتمسُّك الخلفاء السنيين به، وربط هذا الجهاز بقصر الخليفة (2). ونظرا لاتساع الرقعة الإسلامية فقد فاضت الأموال على خزائن الأمويين والعباسيين وأصبحت مدعاة للبذخ، وهذا

1 - كما حدث في جبل نفوسة أيام الإمام عبد الوهاب حينما حاول خلف بن السمح الانفصال عن الدولة الرستمية، راجع محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج 3.

2 - انظر السياسة المالية السنية في الفصل الثالث من هذا القسم.

426