الإمامة عند الإباضية بين النظرية والتطبيق: مقارنة مع أهل السنة والجماعة بكير بن بالحاج وعلي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٤٤

لهذين

كانت قد قامت نتيجة السياسة الداخلية التي اتسمت بالاستبداد وكم الأفواه، وبالتالي فإنَّها ستصبح فاضحة لها في مثل هذه المعاملات. ونظرا السببين فإن الدولة العباسية لم تفرّط في بذل أي جهد من أجل القضاء على هذه الأنظمة الصغيرة الناشئة، فأغرقت المنطقة في بحيرة من الدماء، لأنها تراها خطرا على نظامها السياسي بالنسبة للدول السنية، والعقدي بالنسبة للدول الإباضية (1). فالذي يبرر الحكم على سياسة بعض الخلفاء بأنها منفعية وسياسية محضة، هو ما اكتسبته معاملتهم مع الدول السنية الصغيرة، فبالنسبة للدولة الأموية بالأندلس فقد كان المنصور والمهدي يودان إزالتها (2). وقد انطلقت العلاقات في أوَّل الأمر بين النظامين مبنية على الإرادة الخيرة، وهذا من أجل أن يستميل العباسيون عبد الرحمن الداخل إليهم، ولكنهم فشلوا في هذه السياسة، فلجؤوا إلى القوة فحبطت مساعيهم كذلك، نتيجة لبعد الشقة. وكانت أحسن وسيلة هي الالتجاء إلى العدو المشترك المسيحي واستمالته إليهم، فقد التجأ العباسيون إلى إقامة علاقة طيبة مع ملك الإفرنجة المسيحي للاستعانة به على الأمويين بالأندلس، فكانت بينهما سفارات وهدايا فوطدت العلاقات بين المنصور و"بيين"، وبين الرشيد" و "شارلمان".

وهذه الوضعية جعلت الروح السياسية تطغى على الروح الدينية. وهكذا وضع الإسلام جانبا، فأصبح التعامل على قاعدة: "عدو عدوي صديقي". ولم يعد للمبادئ الإسلامية مجال. ومما يؤكد إرادة بعض الخلفاء من وراء هذه السياسة والمتمثلة أساسا في المحافظة على الملك،

1 - محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 54.

2 - محمد الخضري بك، محاضرات في تاريخ الأمم، ج 2، ص 92.

432