الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣٥فترى أن أكثرهم قالوا: بكونها أربعاً، إلا أن القائلين بكونها أربعاً، لم يتفقوا في مواضع رحلاته، وجاء هذا الإضطراب أيضاً من الإختصار، وعدم، بما لم يظنوه أهم عندهم، فخلطوا ولم يأتوا بما يشفي غليل من يبحـ
المبالاة
ويُحقق أحواله
•
نحصل من هذه الأقوال ونجزم، أن ابن دريد جعل البصرة مستقره لأهميتها العلمية.، فبعد نشأته بعمان رجع إلى مُستقره البصرة، وبقي هناك منذ إبتداء تعلمه، إلى أن وقعت فتنة الزنج، فأغاروا على البلاد الإسلامية وخربوها، ولم تسلم البصرة أيضاً من تخريبهم، فدخلوها في شوال سنة سبع وخمسين ومائتين فخربوها، وقتلوا الرياشي - أحد شيوخ ابن دريد - وكان ابن دريد في هذا الوقت شاباً ابن أربع وثلاثين سنة، وكان عمه حياً، فتنقلا إلى وطنهما عُمان، حمى الأمن، وأقام ابن دريد هناك إثنتي عشرة سنة
وقال في مواضع أخرى: أن أهله كانوا من ذوي اليسار، فالظاهر أنه كان في رفاهة في بدأ أمره، ولم تزل حاله كذلك في جميع رحلاته، حتى خرج إلى الأهواز؛ وكان سخياً جواداً، لا يمسك ديناراً ولا درهماً، وأحسب أن تلك السجية كانت فيه لأجل يسار أبيه وأجداده، إذ نرى أكثر الأغنياء الذين يرثون المال كابراً عن كابر، لا يعرفون قدر المال، فأما الذين يكسبون ويجمعون، فهم أشد حباً للأموال، وهذا هو المبدأ للبخل؛ وكان جامعاً لخلال الخير، وخيرها الحلم، فكان حليماً عمن أساء إليه، وأصل الحلم القدرة على النفس، بحيث لا يظهر الإنسان سخطه على ما يكرهه، ولاشك أن هذه الصفة من أعسر الصفات، وكان له مجالس علمية أدبية، يفيد فيها الحاضرين.
وكما كان ابن دريد تحريراً في العلوم، كان ذا يد طولى ومكانة عظيمة في الأمور السياسية أيضاً، ولعل سياسة عُمان الداخلية ألجأته إلى هذا الفن، ثم رحلاته، ثم تقلده ديوان فارس، التي حصل له بسببها ممارسة أخلاط الناس والأحوال، فأحكمت فيه معرفة هذا الفن، فحصل له بذلك يد طولى في
-170 -