الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٩٧غطت شهرة البصرة على رجال عباقرة أفذاذ، قواداً وعلماء، فنسبوا إليها، وهم من أهل عُمان، كالمهلب وأولاده، وأبي حمزة، وبلج بن عقبة، وكالإمام جابر بن زيد، والربيع بن حبيب، والخليل بن أحمد، وابن دريد، وغيرهم، بالإضافة عن ضعف همة أصحابنا لكتابة التاريخ، فتركوا رجالهم لغيرهم، ولولا إشارات عابرة دونوها في مُؤلّفاتهم، لِمَا عُرف عن هؤلاء الرجال أنهم من أهل عُمان
ونواصل الآن الحديث عن أبي حمزة، وصلته بالإمام طالب الحق:
إن الإمام لما إستولى على اليمن، وكثر أتباعه بها، وجه إلى مكة بلج بن عُقبة الفراهيدي في سبعمائة رجل، ثم وجّه بعده أبا حمزة في ألف رجل، وقيل: في عشرة آلاف، وأمره أن يُقيم بمكة إذا صدر الناس، ويوجه بلجا إلى الشام، فأقبل أبو حمزة المختار إلى مكة يوم التروية سنة تسع وعشرين، فطلع بأصحابه إلى عرفة، ومعهم أعلام سود في رؤوس الرماح، ففزع الناس وقالوا: ما لكم؟ فأخبروهم بخلافهم مع مروان و آل مروان، فراسلهم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك ـ وكان عامل مروان على مكة والمدينة ـــ ألا يُعطلوا على الناس حجهم، فقال أبو حمزة: نحن بحجنا أضن وعليه أشح، فصالحهم على أنهم جميعاً آمنون بعضهم من بعض، حتى ينفر الناس النفر الأخير، وأصبحوا من الغد، ووقفوا بحيال عبد الواحد بعرفة، ودفع عبد الواحد بالناس، فلما كانوا بمني قيل لعبد الواحد: قد أخطأت فيهم، ولو حملت عليهم الحاج، ما كانوا إلا أكلة رأس (1)، ونزل أبو حمزة بدير الثعالب، ونزل عبد الواحد منزل السلطان، وبعث رجالاً من أكابر قُريش إلى أبي حمزة، فلما قربوا منه أخذتهم مسالحة (2)، فأدخلوا عليه، ووجدوه جالساً وعليه إزار قطري غليظ، قد ربط الخوذة في قفاه، وقالوا: إن الأمير بعثنا إليك برسالة، وهذا ربيعة يُخبرك بها، فقال ربيعة: إن الأمير يخاف نقض العهد، قال: معاذ الله أن ننقض العهد، أو نخيس
(1) اكلة رأس: أي، عددهم قليل يكفيهم رأس واحد. (2) المسالح: القوم يحملون السلاح.
-19 V-