الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٦٣جهله
أما بعد، فإنا وقفنا على أثر يُعرف برسالة " الإستعداد فيما لا يسع الْمُكلف، يزعم مؤلفها حجة له يَومَ التنادِ، فلما وقفنا عليها، وأجلنا النظر في معانيها، وجدنا فيها أشياء خارجة عن سبل المنهاج، محبرة قواعدها، عن الرجل المعروف بابن التاج، فلخصنا في نقضها، ما تبين لنا فيه براهين الحق، وشرحنا فيه ما صح لنا عرفانه، من أدلة ذوي الصدق، من غير علم منا بمذاهب الفرق، ولا المجتمع من أقاويلها والمُفترق، ولكن رجونا من الله صواب المنطق، وظهور الحق في برهاننا .......... الأفق، بتوفيق مالكنا مبدي الأشباح، وباريء
فأما ما ذكر أن الخلاص في المعاد طريقان، أحدهما: سهل مرامها، قريب، وعر نيلها، ونهايتها واحدة.
سلوكها
.......
الجواب: إعلموا أن هذه المقالة خطأ من قائلها، وصدوف عن الحق، وضلال من منتحلها، ومتى تكونان واحدة في نهايتهما، وكيف يستويان ويجتمع إتفاق صفتيهما، والنظر يوجب عندي أن النهاية عنده فيهما أن مرجعهما إلى الجنة - بزعمه - وأنها تجمعهما، وإيضاحه ونظمه الذي لخصه في معناهما، يدل أن المنافق المقيم في الجحيم، المطوق عليها، المباشر سلاسلها وأنكالها وكبلها، يخرج من أضيق أطباقها وسمومها وغمها، إلى الجنة العالية قصورها وحورها ونعيمها، هذا الذي أوضحناه، وهو الذي عنده إنتهاء صفتيهما إلا ما شاء الله.
هيهات، هيهات، أن بينهما الفرق الشديد لتنافيهما، والبون البعيد لتباعد محلهما، لأن أحدهما في جنة لا ينفد نعيمها، والأخرى في نار جهنم لا يفتر حميمها، فلو كانت مقالته حقاً، ويتضح طريقها، يصح بالبرهان القاهر نورها وتحقيقها، لا يستوي في ذلك نبي أمة وفاسقها، المُنتهك محارم الباري ومرتكبها، الآتي عظائم الجرائم ومحدثها، حاشا الله أن يسوي بينه وبين من إصطفاه للرسالة وبرهانها، وإختصه للنبوة وارتضاه لتبليغها وبيانها، فحينئذ لا
-363 -