الجزء السادس
الجزء ٦ · صفحة ٤٩باب الوصايا
49
يحضر المأتم إن كان المأتم خاصا بالنساء، وكان المتعارف من حضورهن أنه لا يكون إلا للندب والنوح فيكون الإيصاء به وصية بالمعصية كما مضى، إلا أن يجوز أن يكون منهن خلاف ذلك فيرجع به إلى المعنى المطلق في اللغة من معنى المأتم كما ذكرناه. وأما إن أوصى بإطعام من شاء الله من الناس أيام عزائه ومأتمه سواء عطف المأتم على العزاء بالواو أم بأو فالمعنى واحد.
وفي الظاهر أن الوصية به جائزة في الحكم، لكنها لا تختص بإطعام الحاضرين للعزاء ولا في المأتم، وإنما هي وصية بإطعام قوم مجهولين لا تخصيص لهم بشيء فمن أطعم منها في تلك الأيام جازت له. وإن كان ذلك على رأي وصيه أو على رأي القائم بعزائه ومأتمه فلهم النظر فيه، لكن
من حبي لمن بلي بالنظر في ذلك أن لا يتعمد به أهل المعصية هنالك. فإن أطعمه في المأتم من يعلمه مقيما على المأتم بالندب والنياحة على الميت فقد وضع أمانته في غير موضعها، وأنفذ الوصية في غير أهلها؛ لأنها في الأصل غير جائزة لأهل ذلك الفعل لظهور ما به من البطل، والمعين على الفجور غير سالم ولا مأجور فيلزمه في المال غرمه، ومن الفعل إثمه، وعليه المتاب إلى الله تعالى بما أصاب.
فإن يكن المال من عنده فقد أضاعه وتكفيه التوبة لمقام رشده وإلا التزم ما عليه من الضمان ولا براءة له من ذلك ولا أمان.
فإن سلمت الوصية من ذكر المأتم واكتفى الموصي فيها على ذكر العزاء وحده كانت جائزة لما أسلفناه، سواء أوصى بها لمن شاء الله من الناس في أيام عزائه أم قال: لمن شاء الله من الناس ممن يحضر عزاءه، أو أتى بغير هذه الألفاظ الدالة على المعنى، إذ ليس في الحكم بالظاهر ما يدل على بطلان ذلك ولا فساده؛ لأن نفس العزاء طاعة، وتعزية المؤمن في مصابه مأمور بها شرعا.