أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني
الجزء ١ · صفحة ٢٤٩ومع
أن الشاعر لا يحفل بمعاداة الدهر له، إلا أنه حاول أن يتصالح معه، ولكنه لم يفلح في مساعيه مشبهاً إياه بمن أصيب بمرض الجرب الذي لا ينفع معه دواء، في صورة تعبر عن عمق العداء له، قائلاً:
أصْبَحْتُ والدَّهرُ مِن بُغْضِ به جَرَبٌ آسيه نبلاً وما ينفك يأتكلُ إِذا تطارحتُ أَغْرَى بي سماسمه وإن تنمرت خاصت عنِّي الحيلُ وإن بسطت نوالي سامني سفها أعن سفاهة رأي يَفْضلُ النَّبلُ (1)
وقد يبدو من المستغرب أن يعمد شاعر مثل أبي مسلم إلى الشكوى من الدهر، وهو المعروف بإيمانه الراسخ بالقضاء والقدر، وقناعته اليقينية بأن كل ما أصابه من الله، ولكن إذا عرفنا أن أبا مسلم قد تعرض في حياته لمضايقات سياسية واقتصادية، وظلم وحيف من أبناء زمانه، نتيجة لمواقفه السياسية، وجرأته الصريحة، نستطيع تلمس العذر له، حين غدا الدهر رمزاً نُسب إليه كل المكائد، وعلق عليه كل معاناة، فهو كثيراً ما يشكو دهره إلى مولاه.
والشاعر وإن ذم الدهر نتيجة مواقفه وتأثيراته، إلا أنه راض بقضاء الله، فهو يفصح عن ذلك، في إحدى مناجاته، مبيناً أن شكواه لم تكن اعتراضاً على قدر الله وقضائه، ولا غضباً مما حل به، حين يقول:
دهتني الرزايا سيّدي وألم بي بلاء على رسمي و آدَ احتماليا وما أنا في شكواي مالا أطيقة غَضُوبٌ على الأقدار أو لست راضيا رضيتُ بما تقضي وآمنتُ أنّه قضاؤك عدل أي ما كنت قاضيا ولكن قصارى العبد شكوى يبتها إليك ودمع يستهل المآقيا
(1) المصدر نفسه، 346.