أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني
الجزء ١ · صفحة ٢٥٢ي
نهاية القرن الثان للهجرة، سنة (192 هـ) أي منذ عهد الإمام غسان بن عبدالله اليحمدي (ت 207 هـ) (1) وتعاقب على أرضها أئمة عدول. فنزوى المكان تستمد روحانيتها من عبق عظام أولئك الأئمة، الذين تعاقبوا على أرضها، فهي تمثل رمزاً من رموز التواصل الثقافي والسياسي للمذهب الإباضي، فلا غرو بعد ذلك، أن يخاطبها عدد من الشعراء، فيتغنى بأمجادها، ويتذكر تاريخها، وعلى رأس هؤلاء الشعراء، أبو مسلم البهلاني، الذي خصها بأبيات طويلة، تفيض عذوبة، اختلطت فيها عاطفة الشاعر الإيمانية، بعاطفته الوطنية، حين أصبحت عنده رمزاً من رموز الوطن، وموئلا للمذهب، وشكلت حينها جانباً من جوانب الاستقلال والحرية والعدالة فاكتسبت بعداً تاريخياً، وبُعداً دينياً، وبعداً مكانياً، وبُعداً وطنياً.
يعد الشعور بالارتباط بالمكان الذي رأى الإنسان فيه النور، وتربى في ظلاله، أمراً طبيعياً، لا سيما إذا ارتبط هذا المكان، بذكريات من نوع خاص،
وبقدسية خاصة.
وشعر أبي مسلم المكاني تعبير عن رؤية خاصة يتجاوز شوقه إلى
الأماكن وذكريات الصبا، إلى موطن سياسي ديني، حيث يقول:
خليلي ما تذكار ليلى لبانتي أقامت بنجد أو حَوَتْها التهائمُ ولا ربعها العافي عليها تناوحت صباً ودبوراً أو بكته الغَمَائمُ
(1) هو الإمام غسان بن عبدالله اليحمدي الأزدي إمام فقيه بويع بالإمامة بعد موت الإمام الوارث بن كعب الخروصي عام 192 هـ. أنظر دليل أعلام عمان 125.