أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني
الجزء ١ · صفحة ٢٥٤فالناظر إلى هذه الأبيات التي هي جزء من نسيج قصيدته، يجد أن
الشاعر قد وفر لنفسه نكهة تاريخية فكرية تراثية، جاء مشحوناً برموز الزمان والمكان، وعبر تواصل مكاني ينطلق منه الشاعر، مجرداً من نفسه شخصاً يخاطبه على عادة الشعراء، واصفاً مسار هذه الرحلة، وَصَفَ الخبير بمواطنها، العارف بأسرارها، ضمن رحلة خيالية يقوم بها، متصوراً مرافقته منطلقاً لرحلة الإمام السالمي في ذلك الوقت، من بلدة تسمى «بدية» (1) حتى يصل إلى مدينة «نزوي» فيلقى عصى تسياره عليها. ومن ثُمَّ يوجد الشاعر لنفسه مكاناً
يستقر فيه، ليصبح ذلك المكان بقدسيته خالداً، حاضراً في النص،
والنص حاضر في المكان.
ولشدة الشوق ولقدسية المكان، يطلب الشاعر ممن يصل إليه أن ينزل
من عليائه فيقوم بتقبيله، لماذا؟
لأن هذا المكان شكل عاصمة لنظام أشبه بالخلافة الراشدة، وهي الإمامة الإباضية مشبهاً نزوى بالتربة، والخلافة بالشجرة التي نبتت في ظلها، ورست بجذورها في قعرها، وزاد الأمر وضوحاً حين أشار إلى أن قدسية المكان تستمد مما حواه باطنه وظاهره من أئمة عظام.
وتذكي الغربة والبعد عن الوطن، الإحساس بالمكان وقيمته، لتبدو صورة المكان ممتزجة بالمشاعر، فيظل القلب هائما بها مهما بعدت الشقة، وطال الزمن، كما في قول أبي مسلم
معاهد شط البَعدُ بيني وبينها وحل بقلبي بُرجُها المتقادم
(1) بدية: بفتح الباء، وكسر الدال، وفتح الياء المشددة، إحدى مدن شرقية عمان. انظر: السيابي:
سالم بن حمود العنوان، 104 - 105.
254