أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني
الجزء ١ · صفحة ٢٨٧على الرغم مما اكتنفها من طول إلا أنها اشتملت على تجارب مكتملة، عمل فيها الفكر والشعور عملهما حتى جاءت بناء متسقاً متكاملاً (1).
وعبر قراءة فاحصة لبنية القصيدة ونسيجها من خلال معرفة القضية المركزية التي كانت منطلق الإبداع فيها، وما يمكن أن تتشكل منه أجزاؤها، لتنتظم في وحدة موضوعية تشد كيانها، نلاحظ أن الشاعر قد بدأ قصيدته هذه
بقوله:
تلك البوارق حاديهنَّ مرنان فما لطرفك يا ذا الشجو وَسَتَانُ شقت صوارمها الأرجاء واهتزعت تزجي خميساً له في الجو ميدان (2)
لقد أنشأ الشاعر نصه منذ بدايته، وهو يتوثب لرسم لوحة حربية حركية،
لمعان البوارق والصوارم، وهي تشق أرجاء الكون، فضلاً عن ضجيج الجيش، لكن الشاعر سرعان ما يوقف حركته المتوثبة، ليعود إلى التأمل في ذاته، التي أثقلتها الهموم، وأبعدتها المقادير عن مركز الحدث الذي يستثيره، فيصوغها كلمات نابعة من الوجدان معبرة عن الحسرة، كاشفة عن أثر الاغتراب الذي أجج ضرامه ذلك الحدث، ليعود إلى التأمل الفكري العميق، فيصوغ الشاعر أبياتاً عدة في قالب حكمي، تشده إلى موضوع النص آصرة قوية مرتبطة بباقي أجزائها، متخذا من الصور الشعرية وسيلة للتعبير عنها. إن من يقرأ القصيدة على طولها لا يغيب عن باله أن المنطلق الفكري القضية المركزية فيها، لكنه منطلق متماه مع نسيجها وبناء عالمها، نابع
(1) علي عبد الخالق، الشعر العماني مقوماته واتجاهاته وخصائصه الفنية، دار المعارف، مصر،
د. ت، د. ط، ص 163.
(2) البهلاني، أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم الديوان، مخطوط، 229.