الأنساب سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي أبو المنذر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٦

توطئة

في علم النسب ومكانته عند العرب

علم النسب من العلوم التي عُنى بها علماء العرب وأفردوا لها كتباً مستقلة، ومداره على بيان توزع العرب منذ قديم زمنهم إلى قبائل والبحث عن أصول هذه القبائل وبيان ما تفرع منها من عشائر وبطون وأفخاذ مع ذكر أنساب أعلام هذه القبائل. وهذا العلم تكاد تتفرد به الأمة العربية من بين سائر الأمم، وقد يكون لبعض

الأمم عناية بذكر أصولها القبلية ولكن عناية العرب بهذا العلم تفوق عناية جميع الأمم. وإذا بحثنا عن سبب ازدهار هذا العلم عند العرب وكثرة التأليف فيه فإننا نردّ ذلك إلى حياة العرب الاجتماعية في العصر الجاهلي أولاً ثم في العصور التي تلته، فالمجتمع العربي قبل الإسلام كان مجتمعاً قبلياً تؤلّف فيه القبيلة وحدة اجتماعية متماسكة، لها مواطنها الخاصة بها ومراعيها ومياهها و لم تكن ثمة سلطة سياسية تخضع لها هذه القبائل، باستثناء الدويلات التي قامت في أطراف الجزيرة العربية، كدولة الغساسنة بالشام، ودولة المناذرة بالعراق. وإمارة كندة في نجد، والدول التي تعاقبت على الحكم في جنوبي الجزيرة العربية.

وكانت صلة هذه القبائل، بعضها ببعض، في أغلب الأحيان صلة العداوة، وحياة العرب عصرئذ كانت تقوم على شن الغارات ابتغاء كسب القوت وامتلاك المراعي وموارد الماء، فلا بد للقبيلة من أن تغير على إحدى القبائل المجاورة لها ابتغاء كسب القوت لأبنائها. وكان العرف في ذلك الوقت يتقبل هذا اللون من عدوان القبيلة على القبائل الأخرى ولا يراه أمراً منكراً أو مستهجناً، والقبيلة المستضعفة التي لم تكن تقوى على الغزو تكون موضع استخفاف المجتمع الجاهلي ها وازدرائه. ويمثل لنا هذه النظرة قول الشاعر قريط بن أنيف في هجاء قومه العاجزين عن استرداد ما سلب

منه.

-

-