الأنساب سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي أبو المنذر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٢٦

قد عُمق، وفرش فيه الصخر. وكان الله تعالى قد ألان لهم الحجارة، من قبل طلوع الشمس إلى زوالها، ومن الزوال إلى العشاء، وكانوا يباكرونه بالغداة كالطين وكالعجين، فيضعونه في الأساس، ويُدخلون بعضه في بعض ويجعلون ملاطه الرصاص المذاب، وجعلوا فيه أبواباً مُبوَّبة، وقناطر معقودة، وركبوا عليها أوصاداً من حديد محكمة. وكانت جناتهم من وراء السور، وقصورهم داخل الجنتين. وفي الجنتين كل شجرة تواتي أُكلها كل حين.

وكان أحدهم إذا أراد الماء رفع من تلك الأبواب التي تلي جنته بابا، فيخرج الماء

إلى جداول تخترق قصورهم وجناتهم وحدائقهم، فإذا استغنى أرسل الباب. وكانوا قد غرسوا على ذلك الماء الجنتين اللتين ذكرهما الله تعالى في كتابه، عن يمين وشمال، وظللوهما حتى كانت لا تدخلهما شمس ولا ريح. وكان أمرهم كما ذكر الله تعالى.

وحدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن ()، في قوله تعالى: ولقد كان لِسَباً في مسكنهم آية جنّتان عن يمين وشمال) قال الحسن: كان وادياً بين جبلين، ثمانية عشر ميلاً، فكان كما قال الله، جنتين جنّة عن يمين الوادي، وجنّة عن يسار الوادي، والوادي مُلتف بالشجر، ومنازلهم بين ذلك، ومن وراء الجنتين مزارعهم وكانت أزكى أرض الله يومئذ، وأهلها أخصب أهل اليمن، وكان شربهم من أعلى الوادي، من عين تخرج من ثقب في ذلك الجبل، فإن شاؤوا سَدّوا ذلك الثقب، فأمسكوا الماء، وإن شاؤوا فجروه.

وكانت الكهنة تخبرهم أنّ هلاك واديهم من قبل سيل يأتيهم من عين شربهم. فبنوا على تلك العين بنياناً بالحجارة والرصاص، لا يخرج إليهم من الماء إلا بقدر، لما خوفوا من السيل. فكانت الجننان عن يمين الوادي وشماله. وكان الوادي ملتفا بالشجر.

(1) قول المصنف: حدثنا، لا يعني أنه سمع سعيد بن المسيب، وإنما يروي عمن سمعه، والحسن هو

الحسن البصري.

(2) سورة سبأ، الآية 15.

- 688 -