الأنساب سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي أبو المنذر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٢٧

وكانت المرأة تخرج من مأرب إلى بلد الشّام، تُريد بيت المقدس، ومغزلها في يدها، ومكتلها على رأسها بلا زاد وكانت إذا أرادت الأكل أصابت مكتلها مملوءاً من كل ثمرة، مما ألقته الرّيحُ من غير أن تجتنيه فتأكله ولم يكن في بلدهم سبع ولا حية، ولا شيء من الهوام يخاف وقال الله تبارك وتعالى: وجَعَلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قُرى ظاهرةً وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا

منه.

(1)

وظَلموا أنفسهم فَجَعلناهم أحاديث ومزقناهم كلَّ ممزق .. ) " إلى آخر القصة. قال الكلبي: وذلك أن الله تبارك وتعالى أرسل إليهم رُسُلاً، فدعتهم إلى الله، وأمرتهم بالشكر والمغفرة، لما عليهم من نعمة الله، فكذبوهم وقالوا: ما نعرف الله علينا من نعمة ومازلنا في هذا الذي كنا فيه نحن وآباؤنا من قبلنا، وهذا من عمل آبائنا، وذلك قول الله تعالى: ولقد كان لسبا في مسكنهم آيةٌ جَنّتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة وربِّ غَفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجتيهم حنتين ذواتي أكل حَمْط وأَثْلٍ وشيء من سِدْرٍ قليل.

إلى آخر القصة.

قال الكلبي: وإنما كان القوم على توحيد الله وإيثار طاعته، فأعطاهم التي كانوا فيها من خير الجنتين وغيرهما. فلمّا قدم عهدهم حالوا عن التوحيد، واتخذوا أوثاناً فعبدوها من دون الله. فلما فعلوا ذلك وعظهم عمران بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد بن الغوث، وكان كاهناً عنده علم، وقد رأى في كهانته أن بلدهم تخرب إن لم يرجعوا إلى التوحيد، فعصوه واستخفوا به، فأمسك عنهم حتى حَضَرته الوفاة. ويقال إنه عُمّر فيهم خمسمائة سنة وخمسين سنة، ويقال أربعمائة سنة وأربعين سنة. وكان عقيماً لم يكن له عقب. فلما حضرته الوفاة دعا

(1) سورة سبأ، الآية 19.

(2) سورة سبأ، الآيتان 15 و 16.

- 719 -