الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية سليمان (باشا) بن عبد الله بن يحيى الباروني

الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الأباضية

الجزء ١ · صفحة ١٧٠

فاهتدت رجال هذه الفرقة الى تأليف القلوب، وبث روح التعارف بين أفرادها،، حتى اتحدت كلمتهم وتوحد رأيهم، فقامت تشق عصا الطاعة تأسيا

بابن فندين وتطلب الاستقلال والخروج عن حكم الامام، زاعمة انها في درجة يمكنها أن تحكم فيها نفسها بنفسها، وأن تقوم بادارة شئونها، وكأنها رأت أن من العار عليها خضوعها لمخالف لها في المذهب، مع وجود رئيس لها يدعي الامارة، ولعل هذا الرئيس أغراها على ذلك، فتكاتب رؤساؤها على الخروج ومناصبة الامام الحرب، وأتوا من أقاصي الأطراف رجالا، وعلى كل ضامر من كل حدب ينسلون، حتى اجتمع منهم وممن انضم اليهم ممن يسعى في الأرض فسادا من غيرهم قريبا من المدينة، جيوش غطت السهل والجبال، فناصحهم الامام المرة بعد المرة، وخوفهم الوعيد وكرر لهم الارشاد والتنبيه، ودعاهم الى ترك ما به ضلوا، والى الاستسلام والسكون، فلم يكن منهم إلا العتو والعناد والجهر بانكار امامته، ثم بدأوه بالحرب، فصار يجهز اليهم العساكر ويسوق الجيوش فتظفر تارة، وتهزم أخرى، وفي كلها لم يدرك ذلك الفتى ابن الرئيس المعتزلي أحدا من الفرسان، إلا ويقتله ويتولى سلبه حتى تقهقرت امامه الأبطال، وطار صيته فها به كل موسوم بالشدة والبسالة. ولما كان الامام لا يقل عن درجة والده في الدهاء، ان لم يتجاوزها وعلم انه قد انتقل من حرب قوية حرب ابن فندين، الى حرب أقوى منها مع قوم هم أشد من الاولين بأسا، وأكثرهم قوة، وان الاسترسال في ذلك ربما يؤدي به الى ما لا تحمد عقباه، دعاهم الى الاتفاق على هدنة الى أمد معلوم، يكف فيها القتال ويقصر فيها الفساد، وينظر فيما هم قائمون لأجله، ولعله يهتدي الى ما فيه اصلاح الحال، فأجابوه الى ذلك وكف القتال واستراح

الناس.

170