الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث علي بن يحيى معمر

الإباضية بين الفرق الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٥٥٦

تفصيلات غيرهم مما حملهم أن يعتبروا أن مسالك الدين أربعة هي: الظهور، والدفاع، والشراء، والكتمان.

وقد كتب للصنف الأوَّل من هذه المذاهب أن ينجح سياسيا وعدديًا بما

له من مرونة تساعد على اتخاذ المواقف تبعا لظروف السياسة؛ فكان هذا

الصنف على مدى التاريخ محتميًا - أو بعبارة أصح ـ مرتبطا بالسلطة،

-

-

ذلك

وكانت السلطة تحتضنه في كل المواقف الحرجة. ولا شك أن الفقيه (1) الذي يقوم فيقول عن سلطان ما: هذا أمير المؤمنين وولي أمر المسلمين! فإذا جاء متسلّط آخر فقتله وتسلم زمام الحكم منه ثم جلس في مکانه، قام الفقيه نفسه فوجه إلى الحاكم الجديد نفس العبارة: هذا أمير المؤمنين وولـ أمر المسلمين، وطاعته واجبة والخروج عنه فسق. إن هذا الفقيه الذي يجمع في إمرة المؤمنين وولاية المسلمين بين القاتل والمقتول هو أقدر على الاحتماء بالحكم واستغلاله، وهو أقرب إلى الحكام، لأنه أطوع في أيديهم وأفيد لهم. . وعلى مقدار المرونة والتمدد في قضيَّة الحكم استطاعت المذاهب أن وتنتشر تحت ظلال السلطة بل استطاعت أن تستغلها أحيانًا في

تتمدد

إذابة المذاهب الأخرى فيها، وأن تحتمي بها أحيانا أخرى.

1 - أقصد بذلك أولئك الفقهاء المتملّقين المتعصبين الذين يلتصقون بالحكام؛ يسيرون

في ركابهم ويبررون أعمالهم. وأنزه عن هذه الصورة جميع الأئمة المقتدى بهم لجميع المذاهب الذين خضعوا للحكم المتسلط مرغمين، ذلك كانت

ومع

ترتفع أصواتهم بالنقد أحيانًا بوضوح، وأحيانا همس. وندر منهم من لم يلحقه الأذى بسبب ذلك. فابن جُبير يُقتل، والحسن يُطارد حتى يختفي، وجابر

يُمنع من الحج، وأبو حنيفة يُضرب بالسياط، ومالك يُخلع عاتقه، وأحمد يجلد، وغيرهم، ومن لم ينله الأذى المادي ناله الأذى الأدبي.

-526 -