الإباضية بين الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٥٩٤ما قلنا، حتَّى إن المالكيَّة استقلُّوا بالمغرب والحنفية بالمشرق، فلا يُقار (1) أحد المذهبين أحدًا من غيره في بلاده إلا على وجه ما، وحتى بلغنا أن أهل جيلان من الحنابلة إذا دخل عليهم حنفيٌّ قَتَلُوه، وجعلوا ماله فينا، كحكمهم في الكفار. وحتَّى بَلَغَنا أن بعض بلاد ما وراء النهر من بلاد
1
الحنفية كان فيه مسجد واحدٌ للشافعية، وكان والي البلد يخرُجُ كل يوم لصلاة الصبح فيرى ذلك المسجد فيقول: أما آن لهذه الكنيسة أن تغلق؟ فلم يَزَل كذلك حتّى أصبح يوما وقد سُدَّ باب المسجد بالطين واللبن، فأَعجَبَ الوالي ذلك.
ثُمَّ إن كلا من أتباع الأئمة يفضّل إمامه على غيره في تصانيفهم ومحاوراتهم، حتى رأيتُ حنفيًّا صنف مناقب أبي حنيفة فافتخر فيها بأتباعه كأبي يوسف ومحمد وابن المبارك، ونحوهم، ثُمَّ قال يعرض بباقي المذاهب:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
وهذا شبيه بدعوى الجاهلية، وغيره كثير. وحتى إن المالكية يقولون: الشافعي غلامُ مالك والشافعية يقولون: أحمد بن حنبل غلام الشافعي، والحنابلة يقولون: الشافعي غلام أحمد بن حنبل، وقد ذكره أبو الحسن القرافي في الطبقات من أتباع أحمد. والحنفية يقولون: إن الشافعي
-
يقار بمعنى: قرَّ مَعَهُ وسَكَنَ راجع «لسان العرب» لابن منظور. مادة
«قرر». (المحقق)
- 564 -