الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣الدنيا وحفها شهوات وملأها آفات واسكنها الثقلين من عباده وسخر لهم كل ما في بلاده اكلا وانتفاعا ولبسا واستمتاعا ليبلوهم ايهم احسن عملا واسرعهم الى طاعته قبولا وفعلا وامتثالا. ثم ركب فيهم عقولا غريزية يتعلق التكليف بكمالها (1) ويتميز بها الانسان من سائر الحيوانات على اختلاف اجناسها. جعله الله تعالى اصلا لشريعته وجعل احكام الدنيا مدبرة بواسطته والف به بين خلقه وساوى بين اهله في التكليف واداء الحق، وجعل ما تعبدهم به ماخوذا من واجب عقلي ورد الشرع بتأكيده، ومسموعا من خطاب نقلي لا يمنع العقل من جوازه. ولذلك توجه الخطاب الى ذوي الالباب و به استوجبوا الثواب والعقاب، اذ ليس من الحكمة تكليف من انعرى من العقل والتمييز كما ان ليس من الحكمة تكليف الاصم السمع وتكليف الأخرس النطق، وكذلك ليس من الحكمة اهمال العاقل بغير تكليف لان ذلك يؤدي الى اباحة الشتم له والافتراء عليه بما ليس من اهله. فكيف وقد نزه الجليل جل جلاله نفسه عن هذه الصفة فقال افحسبتم انما خلقناكم عبثا الآية (2) (ايحسب الانسان ان يترك سدي) (3)، اي مهملا لا يخاطب، ومتروكا لا يعاقب؟ فاذا صحت غريزة العقل من الانسان توجه اليه التكليف والالزام ونفذت له وعليه الاحكام. وقد نصب الشرع لذلك علامات بادية وحدودا متناهية. احداها الاحتلام للذكور، والمحيض للنساء بازائه لقوله تعالى (واذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم) (4) فاوجب
1) الحاصل عند البلوغ. والا فالكمال لا يحصل الا عند الاربعين فلذلك لم يبعث الله نبيئا الاعلى رأس الاربعين الا ابني الخالة عيسى ويحيى لقوله تعالى: ولما بلغ اشده واستوى اي بلغ الاربعين. اهـ، المحشي باختصار.
2) المؤمنون: 115
3) القيامة: 36
(4) النور: 59