الرؤية الإسلامية في كتاب أبو مسلم الرواحي
الجزء ١ · صفحة ٣٦لكن قبل سرد هَذِهِ الأسباب ارتأى رسم شخصية أبي مسلم من. خلال شهادات معاصريه ومعاشريه، الذين اختبروه وعرفوه معرفة جيدة، أمثال سالم بن
سليمان بن عمير الرواحي، وعيسى الحارثي …
هؤلاء كلهم متفقون على أنَّ الرجل عميق الإيمان راسخ العقيدة، نقي الدين،
صفي السريرة، مستقيم السلوك … يقول الدكتور: «إنَّ وراء السلوك السليم الذي نهج عليه أبو مسلم ـ ولا شك - عقيدة إيمانية راسخة، وتربية دينية ملتزمة، فأبو. مسلم إباضي معتز بإباضيته، مستمسك بعقيدته، ينافح عنها بكل قوة، كما دلت على ذلك كتاباته الثرية والشعرية» (ص: 1). إلا أنَّ الدكتور يثير سؤالاً آخر مهما أيضا من شأنه أن يعين على الكشف عن بعض الحقائق، وَهُوَ إذا كان أبو مسلم مخلصاً لمذهبه مستمسكا بعقيدته كما رسمتها الإباضية «فما الذي دفعه إلى هَذَا الشعر ذي الطابع الصوفي، في الوقت الذي نعرف فيه موقف الإباضية من التصوف وَهُوَ موقف الإنكار والرفض تاريخاً وفكرا» (ص: 112). السؤال مهم لأنَّهُ يهدف أساسا إلى الوصول إلى نتيجة منطقية، وهي ما
مدى ملاءمة الخط الفكري والعقدي الذي رسمته أشعار أبي مسلم الابتهالية لشخصيته، وانتمائه المذهبي؟
هذان السؤالان يثيران إشكالاً كبيرًا حول شخصية أبي مسلم. الإجابة عنهما بدقة وموضوعية تحدد ما إذا كان الشاعر زاهدًا أم متصوفا، متصوفا بالمفهوم
الإسلامي الصحيح أم بالمفهوم الفلسفي المتطرف؟
حاول الدكتور الإجابة عنهما بعرض مجموعة من الحقائق، تساعد القارئ -
حسب قناعته أو عدمها - إلى الإقرار بأنَّ شعر الابتهال عند أبي مسلم قريب من
النزعة الصوفية أم هو بعيد عنها:
-34 -