الرؤية الإسلامية في كتاب أبو مسلم الرواحي
الجزء ١ · صفحة ٧٤وأوفى الخير الدين، وأقوى العدد العدل لا عليك من فساد النيات وخبث الضمائر، إذا حكمت بالعدل لا بالهوى، وفصحت عن الأعمال لا عن السرائر، ولا يكون العمران إلا حيث يعدل السلطان، والعدل حصن وثيق في رأس منيف لا يحطمه
سيل، ولا يهدمه منجنيق، والعدل ميزان الله والجوز مكيال الشيطان.
رحم الله أمير المؤمنين عمر كان يعدل في رعيته ويجور في نفسه، ويطعمهم الطيب وياكل الغليظ، ويكسوهم اللين ويلبس الخشن، ويعطيهم الحق ويزيدهم ويمنع ولده وأهله، أعطى رجلا عطاءه أربعة آلاف درهم ثُمَّ زاده ألفا فقيل له: «ألا تزيد ابنك عبد الله كما تزيد هَذَا؟» فقال: «إن هَذَا ثبت أبوه يوم أحد، وإنَّ عبد الله فرابوه ولم يثبت».
أوفد سعد بن أبي وقاص جرير بن عبد الله البجلي إلى عمر بالمدينة فقال له عمر: كيف تركت الناس؟ قال: تركتهم كقداح الجعبة منها الأعصل الطائش،
ومنها القائم الرائش. قال: فكيف سعد لهم؟ قال هو ثقافها الذي يقيم أودها ويعمر أصلها، قال: فكيف طاعتهم؟ قال: يصلُّون الصلاة لأوقاتها، ويؤدون الطاعة إلى ولاتها، قال: الله أكبر، إذا أقيمت الصلاة أديت الزكاة، وإذا كانت الطاعة
كانت الجماعة».
أيها العبد الصالح، إنَّ قلوب رعيتك هي خزائنك، فما أودعته فيها وجدته، وإنك ورعيتك متلازمان إن صلح أحدكما صلح الآخر، وظلم الرعية استجلاب للبلية، وإنك لا تزيل أحقادها إذا اسمارت مثل الرفق، ولا تكشف لك
-1
- 2
الأعصل الطائش: الأعصل هو السهم الشديد.
أي: هو الذي يقيم إعوجاجها.
- 72 -