نهضة الأعيان بحرية عمان
الجزء ١ · صفحة ١٠٠،
وجدوا، وإلا هم مجهولون يتعذر الوقوف عليهم. فقضى أن المجهول لبيت المال على أشهر ما فيه من الأقوال وأمر الإمام سالم بإمضاء ذلك الحكم وإنفاذه؛ إذ لا ينفع قول بحق لا نفاذ له، فأمضاه الإمام سالم، وأدخل تلك الأموال العتيقة في بيت مال المسلمين لعز دولتهم، فشرع في بيع بعضها في حاجة الدولة. فلما بلغ ذلك العلامة ماجد، وكان من مشايخ العلم في عمان له سن وفضل كتب إلى الإمام ونور الدين بإنكار ذلك الحكم قائلاً: إنه لا يجوز تبديل الأوقاف عن سنتها التي جعلت لها فأجابه نور الدين بالحجج المقتضية لبطلان تلك الأوقاف المؤسسة على غير ما كان عليه رسول الله، وبين بياناً شافياً، فلم يكن من العلامة ماجد إلا الاعتراض وأخذ يشنع عليهم، وأظهر التخطئة لهم، فخشي نور الدين أن تقع بذلك فرقة وتنتج المسألة ضرراً يؤول إلى تفرق كلمة
المسلمين.
له
وكان عظيم الشفقة في الإسلام كثير التحرز مما يؤدي إلى الاختلاف والتناقض، فشخص بنفسه إلى مناظرة الشيخ ليفهمه الحجة شفاهاً، ويوقفه على المحجة، لما رأى أن الرسائل من بعيد لم تغن شيئاً، بل كانت أقرب إلى التبعيد وإجلالاً للشيخ، وهو أحد شيوخه الذين أخذ عنهم العلم، فكان من قضاء الله وقدره أنه لما وصل ومن معه من الأعيان إلى قرية بني صح عند غروب الشمس عزموا على المبيت بها، فتوجهوا إلى المحلة السفلى منها، فصدعه غصن شجرة أمبا معترصاً على الطريق، وهو على راحلته، ولم يبصره لكونه ضريراً، ولم ينبهه أصحابه لأمر أراده الله، فألقاه على ظهره واهي القوى، ولبث بها مريضاً إلى اليوم السادس والعشرين من شهر صفر لا يستطيع الحركة. وما زال في تلك الأيام يراجعه الشيخ ماجد فتكلم عنده فيما جاء له من الناس، فاعترضهم التلامذة والأعيان وطلبوا من نور الدين إرجاء الخوض في المسألة رجاء عافيته، ثم يتباحثان بعد فيما اختلفا فيه، فأجابهم نور الدين إني أخشى المعاجلة قبل أن يفهم الشيخ ما عندي فافترقا على أن الشيخ ماجد راجع عن تخطئته، وأن المسألة من مسائل الاجتهاد. وسنذكر تمام ذلك في ترجمة الشيخ ماجد.
ثم إنه طلب أن يحمل إلى نزوى فأمر الشيخ الحميري قومه بحمله على الأكتاف، فحمل إلى تنوف، وشق عليه الخروج منها. وجاء الإمام سالم لعيادته ليلة التاسع والعشرين من الشهر المذكور، وكان تلك الليلة في خفة من مرضه فرجع الإمام مسروراً
100