نهضة الأعيان بحرية عمان
الجزء ١ · صفحة ٢٣٧الفساد، بطلقه الدواب في الحراث، وبعدم مبالاته بحجر الحاكم الذي يجوز له الحجر فيه، مما يؤول إلى فساد بين العباد وهذا الذي وصفته لك في الحروث التي يحرثها الناس بأنفسهم، ويسقونها بأنهارهم، فكيف بما يسقيه المطر الذي اشترك فيه الناس جميعهم بنص الحديث عن رسول الله.
فإن قلت: إن الحميات للبلادين قد تقدم من تقدم من أهل العلم بالكلام فيها، ونصبوا للناس حدوداً، لئلا يعدو بعضهم على بعض، وفي ذلك مكاتبات وأوراق، يشهد
بها من وقف عليها. أترى ما صنعوه باطلاً أم تقر بعدله فتعرف ما فعلناه حقا وصواباً.
قلنا: إن الذي فعله أولئك الأئمة والعلماء، عدلهم غير منكور، وحقهم مخبور، وسيرتهم بالعدل أشهر من نار على علم، غير أنه يخرج على وجوه كلها لائقة مستحسنة جائزة، منها أن ذلك فعلوه إصلاحاً بين العباد لا حكماً جازماً. والصلح جائز على التراضي لدفع الإفساد، حسماً لمادة ما تعوده الجهلة من التطاول على بعضهم بعضاً. وكل منهم أعطوه في ذلك الصلح بقدر نصيبه على وجه التراضي من تلك البقاع، للانتفاع منها. وما جعلوا ما كان مما يخص الغير من تلك الفلاة محرماً كالحرم، يعاقبون عليه العقوبة الشديدة، ويتوغلون في حجره كل التوغل وما اشتهر لنا عنهم إنما أتاه من دواب الناس في تلك الفلوات يساق إليهم إلى حصنهم من المكانات النائية البعيدة، يعاقبون ويحبسون الدواب على أربابها، ويسلبونهم أسلحتهم رغماً عليهم، إلجاء لهم على العقوبة، بما يرضي القائم من المدة التي تخالف سيرة العدل، من طول المكث في
الحبس. .
وعلى تقدير أن ما فعله ليس خارجاً مخرج الخطأ في الدين، إلا أنك خالفت فيه سيرة أهل العدل، من إخوانك المسلمين ولم تصغ لنصحهم. ولم ترغب فيما رغبوا، وفيهم من هو أنفذ منك بصيرة، وأكثر اطلاعاً على أثر السلف، وأغزر علماً، وأوسع دراية، وأعدل سيرة، وأقدم هجرة، وأترك للدنيا وحطامها. وسيرته بالعدل والزهد أشهر من أن يصفها الواصف، وهو الذي بلغك النصائح، حتى مللت نصحه، ولويت عنقك عن قبول ما أراد منك الرجوع عنه، فكفى بذلك دليلاً على ارتكابك المعيب، وتخبطك العشواء، وميلك على ما تهوى على تقدير أن ما فعلته غير خارج مخرج التخطئة بالإجماع، وأنت على ما رفع لنا الأمناء ما اقتصرت على ذلك، حرمت على الناس
237