نظرية الشورى عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٢٣٠د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الفرع الأول: استشارة الإمام عبد الرحمان في شأن
معونة أهل المشرق.
اشتهر عبد الرحمان بن رستم بعدله في سياسته للرعية وحسن سيرته في الناس وتواضعه للضعفاء. فذاع صيته في الآفاق، وبلغ حتى المشرق العربي، فجمع له إباضية المشرق أموالا كبيرة وبعثوها ليستعين بها الإباضية المغاربة في بناء دولتهم الناشئة، فلما وصلت الرسل التي تحمل الأمانة بلاد المغرب دخلوا "تيهرت" يبحثون عن الإمام عبد الرحمان، فوجدوه فوق إحدى السقوف يعمل بيديه ويطين السقف وأحد العبيد يساعده ويناوله الطين فاستأذنوا لمقابلته فأجابهم بالإيجاب» والقوم ينظرون إليه وهم شاكون فيه هل هو صاحبهم أو لا، حتى نزل عن سطحه إلى داره، فغسل ما كان بيده من أثر الطين، ثم توضأ وضوء الصلاة، فأذن للقوم فدخلوا عليه، فوجدوا رجلا جالسا على حصير فوقه جلد، وليس في بيته شيء سوى وسادته التي ينام عليها .. » (1). فلما تحدثوا إليه عن مقصدهم لم يجبهم على ماجاءوا به، لأن القرار لا يرجع إليه، بل أوكل الأمر إلى جماعة الشورى لتنظر فيه وتتشاور حول أمر هذه الأموال وأين تصرف، أما مجلس الشورى فينعقد بمسجد تيهرت بعد الصلاة، لذلك خرج الإمام عبد الرحمان مع الرسل «حتى أتوا المسجد الجامع فصلي بالناس، فلما انصرف من صلاته نادى مناد ألا يتخلف من كل قبيلة وجوههم، ففعل الناس ذلك. فلما انفض الناس وبقي من يفوض إليه الأمر وجوههم … شاورهم الإمام في الأمر، فأشاروا عليه أن يأخذها ويجعل منها: «ثلثا
(2)
في الكراع (الخيل) وثلثا في السلاح، ثلاثا في فقراء الناس وضعفائهم»
(1) ابن الصغير: تاريخ الأيمة الرستميين، ص 92.
(2) نفس المرجع، ص 30
(3) نفس المرجع، ص 30. الباروني: الأزهار الرياضية، ج (2)، ص 87.
(3)
234