نظرية الشورى عند الإباضية: دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني عبد الله نوح

نظرية الشورى عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٢٣١

د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني

وبعد مدة من هذه الحادثة التي تدل على الطريقة الديمقراطية التي كانت تسير عليها شؤون هذه الدولة، وبعد أن وصلت أخبار هذا الإمام المشرق، تنادى الإباضية هناك بجمع الأموال وإرسالها له ليقوي بها دولته، فبعثوا له بمساعدة ثانية أكبر من الأولى، فلما وصلت الرسل العاصمة "تيهرت" وجدوها قد تغيرت وتحسنت أحوالها، وقامت قصور وغرست بساتين وظهرت بها مظاهر الرفاهية فوقع في نفوسهم شك في تغير أحوال الإمامة (1)، وخافوا أن يكون الإمام عبد الرحمان قد طغى وتجبر بسبب دخول مظاهر النعمة والرفاه، لذلك راحوا يسألون الناس عن أحواله هل تغيرت وعن أحكامه هل تبدلت. فقالوا بل هو على ما عاينتموه ما تغير ولا تبدل»

(2)

ولما بلغوا دار الإمامة وجدوا عبد الرحمان» على حاله الذي تركوه عليه» (3)، فلما علم خبرهم ومقصدهم طلب رأي "مجلس الشورى" كعادته بعد الصلاة بالمسجد الجامع، فتداولوا في الأمر مدة، ثم قالوا: «الأمر إليك»، فأجابهم أما إذا رددتم إلينا رأيها، فرأيي فيها أن ترجع إلى أربابها، فهم أحوج إليها منا» (4) «لأنا في أرض قد استولى عليها العدل، وهم في بلد غلب عليهم الجور» (5)، فأرجعت تلك الأحمال من المال إلى المشرق، وقد أعجبت الرسل بعدل هذا الإمام وورعه ومثاليته وزهده في الدنيا.

الفرع الثاني: استقراء الوقائع

من خلال هذه الحادثة المشهورة التي تناقلتها المصادر التاريخية الإباضية وغير الإباضية، يتبين أن الحكم الرستمي في فترة الإمام الأول

(1) الشماخي سيز المشائخ، ص 140.

(2) ابن الصغير: تاريخ الأيمة الرستميين، ص 33. (3) الشماخي: سير المشائخ، ص 141

(4) أبو زكرياء سير الايمة، ص 84. (5) الشماخي نفس المصدر، ص 141.

235