نظرية الشورى عند الإباضية: دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني عبد الله نوح

نظرية الشورى عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٢٤٢

د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني

أما المرة الثانية التي امتحن فيها الشراة الإمام أفلح، فكانت عندما أقبلت عليه جماعة من أهل جبل أنفوسة ضيوفا فأراد بعض الشراة امتحانه، فبينما كانوا يأكلون في داره كان واقفا يمسك لهم مصباحا ليستضيئوا به «ناوله بعضهم لقمة من طعام، فجعل المصباح في ركبتيه، فأخذها بيديه معا كالمملوك، فنظر بعضهم إلى بعض إعجابا بتواضعه … وعلم أنهم يمتحنونه وقد ظنوا فيه تكبر (الملوك فقال: أعوذ بالله من ظنكم يا مشائخ»

(1)

ويدل ذلك بلا شك على الرقابة الشديدة والصارمة التي كانت للشراة على سلوك الحكام الرستميين وعلى أبسط تصرفاتهم. ويبدو أن "جماعة الشراة التي حاولت مراقبة الحكام اختلف دورها قوة وضعفا حسب شخصية الأيمة الذين تولوا الحكم.

(2) يذكر أن الإمام الخامس أبا اليقظان محمد بن أفلح (261 هـ/ 281 هـ) كانت له سيرة حسنة في الرعية، إذ لما ولي الإمامة «كان أول شيء نظر فيه من أمور الناس أن استصلح لهم قاضيا بعد أن شاور جماعة منهم فأشاروا به» (2) ثم أنه «ولي على بيت المال من ارتضاه جميعهم» (3). وقد سعى هذا الإمام إلى تحقيق المساواة بين مختلف الفئات والطوائف التي كانت تشكل الشعب في دولته، فسعى للحد من نفوذ بعض القبائل القوية واستئثارها بالمناصب العليا، لذلك فإن مجلس الشورى أصبح يضم إلى جانب زعماء القبائل وفقهاء الإباضية، العديد من الفقهاء المالكية والواصلية من المعتزلة (4). غير أن هذه المحاولة التي قام بها أبو اليقظان في أيام ضعف الدولة الرستمية لإحياء النظام الشوري في التسيير، لم يكتب لها الاستمرار بسبب الفتن والقلاقل التي مزقت الدولة وتفشي العصبيات القبلية، وصراع الطوائف المذهبية نتيجة سياسة التسامح الفكري المفرط التي سادت في هذه الدولة.

(1) دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج (3) ص 322. (2) ابن الصغير: تاريخ الأيمة الرستميين، ص 77. (3) البرادي: الجواهر المنتقاة، ص 177. (4) محمود إسماعيل: الخوارج في بلاد المغرب، ص 268.

246