نظرية الشورى عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٢٤٤د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقار
مي الإباضي والسني
الفرع الثالث: التسامح والحرية الفكرية والعقائدية
بل ومع
ويعد هذا المبدأ ركنا جوهريا لقيام أي نظام ديمقراطي شوري، وقد كان يسود في الدولة الرستمية تسامح كبير مع المذاهب الأخرى المخالفة، الأديان السماوية الأخرى. والمفارقة هي أن الإباضية عانوا الكثير من القهر والقتل والمضايقات في القيروان وغيرها، إلا أنهم في أوج قوتهم في حالة الظهور كانوا على العكس متسامحين إلى أقصى حدود التسامح مع المسلمين السنيين ومع مختلف الطوائف التي تساكنت بتاهرت تحت لواء الحكم الإباضي، ففقهاء المذاهب الأربعة لم يكن لهم فقط حق التعبير عن آرائهم، بل إنهم يستدعون إلى عقد مناظرات علمية لمناقشة حججهم في جو من الحرية والشورى والاحترام، إذ كانت تيهرت تعج بفقهاء المذاهب المختلفة لما وجدوه من جو الحرية الدينية والفكرية، كما شمل هذا التسامح أيضا اليهود والمسيحيين الذين كانوا بتيهرت بحيث لم يضايق هؤلاء ولم يضطهدوا أبدا (1).
وبالفعل أعطى الأيمة الرستميون أمثلة فريدة في التسامح مع المذاهب المختلفة، إذ لم يكن هؤلاء يقمعون المعارضين الفكريين بالقوة والسيف كما كان الشأن في أغلب الممالك الإسلامية، وإنما كانوا يقارعونهم بالحجة والدليل وعقد المناظرات، فإن غلبوا وأصروا رغم ذلك على إثارة الفتنة والبلبلة، قاتلوهم لدحر تمردهم والمحافظة على الاستقرار العام للدولة الإباضية لأنهم يصبحون في حكم الخوارج على الإمام العادل بدون حق
ومن ذلك أن الإمام عبد الوهاب واجه تمرد الواصلية من المعتزلة بأن دعاهم للمناظرة الفكرية والمناقشة الفقهية، فلم يجهز لهم جيشا لسحقهم، بل فسح لهم المجال لعرض أفكارهم ومناظرتهم،
(1) ابن تاويت: دولة الرستميين، ص 109
248