نظرية الشورى عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٢٦٠د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
إن ما يفسر تمسك الفقهاء بهذه القاعدة الفقهية وهم محقون في ذلك، هو تلك الفترة العصيبة التى لم تكن الدولة فيها تقوم على مبادئ ديمقراطية ومؤسسات دستورية مستقرة ودائمة وسلطة مشروعة، وانما كانت تقوم فيها الممالك الإسلامية أساسا على قوة السيف والغلبة والقهر، وعلى القمع العسكري للأسرة الحاكمة، كما كان الحال إبان الحكم الأموي الاستبدادي الذي كثرت فيه الفتن والثورات مثل خروج عائشة في واقعة الجمل، وواقعة النهروان،
وخروج الحسين بن علي ثم عبد الله بن الزبير ضد حكم الأمويين … الخ. وقد حارب الأيمة الاباضية الرستميون كل الخارجين على سلطتهم الشرعية مثل النكار والواصلية والخلفية وغيرهم، بعد أن أعطيت لهم فرصة لممارسة المعارضة السلمية بكل حرية من خلال المناظرات الفقهية والسياسية، لاعتقادهم بحرمة استعمال العنف لتغيير النظام، وإثارة الفتن والقلاقل والإخلال بالنظام العام في الدولة. (1)
غير أن هذا الحكم على إطلاقه مردود عند الاباضية إذا كان الأمر يتعلق بالمعارضة السلمية التي تدخل في باب "النصيحة" للحكام طبقا لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يولونه أهمية كبيرة في فكرهم وفقههم السياسي، إلى حد اعتبارهم له الغاية من قيام الدولة، وإذا كان عزل السلطان الجائر يتم بطريقة سياسية سلمية لا تؤدي إلى الإضرار بالنفوس والأعراض والأموال.
فالإباضية الذين عرفوا بـ"أهل الدعوة والاستقامة" لاتباعهم الطرق السلمية في الأمر والنهي، وسموا قبل ذلك بـ "القعدة" لأنهم قعدوا عن قتال جيش معاوية وجيش علي معا أجمعوا على عدم وجوب الخروج على السلطان الجائر وإنما جوازه كاستثناء طبقا لشروط شرعية صارمة
(1) حول معاملة الدولة الرستمية للخوارج عليها مثل النكار، النفاثية (فرج بن نصر النفوسي) والخلفية خلف بن السمح بن أبي الخطاب عبد الأعلى المعافري)، والواصلية وغيرهم، أنظر: علي يحي معمر الإباضية بين الفرق الاسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث، نشر جمعية الثراث، ص 329 وما بعدها:
264