الميزان القسط: المنهج والتطبيق في دراسة ونقد روايات رؤية الله سبحانه وتعالى علي بن محمد بن عامر الحجري

الميزان القسط

الجزء ١ · صفحة ١٩٣

روايات رؤية الله سبحانه وتعالى في الميزان القسم الثاني

193

واستدل القرطبي في «المفهم» على أن الإدراك لا ينافي الرؤية بقوله تعالى حكاية عن أصحاب موسى: {فَلَمَّا تَرَعَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا) وهو استدلال عجيب لأن متعلق الإدراك في آية الأنعام البصر، فلما نفي كان ظاهره نفي الرؤية، بخلاف الإدراك الذي في قصة موسى، ولولا وجود الأخبار بثبوت (1) الرؤية ما ساغ العدول عن الظاهر» (2).

وقد حاول الإمام الرازي تجاهل تفسير أم المؤمنين عائشة ما بقوله: وأما قوله إن عائشة لا تمسكت بهذه الآية في نفي الرؤية فنقول: معرفة مفردات اللغة إنما تكتسب من علماء اللغة فأما كيفية الاستدلال بالدليل فلا يرجع فيه إلى التقليد» (3).

أولاً: الذي ندعو إليه هو ما أقر به الرازي هنا من أن التقليد لا أساس له عند الاستدلال، فأقوال الناس لا بد لها من أن ترد إلى الثابت الصحيح من

الأدلة.

ثانياً: من المعلوم قطعاً، وكما تشهد به كتب اللغة العربية، أن مادة كتب مفردات اللغة العربية أصلها من أفواه العرب الأقحاح من الصحابة الكرام وغيرهم من سكان الجزيرة العربية. وأم المؤمنين عائشة منا من أساطين اللغة وقد تربت في بيت الفصاحة ومعدن اللسان وينبوع البلاغة، فإذا لم مصدر اللغة فممن نأخذ اللغة العربية إذن؟

تکن

(1) لا لم تثبت أدلة الرؤية، والدليل ما نقله ابن حجر نفسه من تضعيف لرجال أسانيد روايات الرؤية، وما نقله هو بنفسه من أقوال مضطربة في شرحه لرواية الصورة كما بينا في

ص 214 وما بعدها من هذا البحث.

(2) فتح الباري، ج 9، ص 589. (3) تفسير الرازي، ج 13، ص 105.