الميزان القسط: المنهج والتطبيق في دراسة ونقد روايات رؤية الله سبحانه وتعالى علي بن محمد بن عامر الحجري

الميزان القسط

الجزء ١ · صفحة ٢٩

القسم الأول | المنهج بين الدعوة والتطبيق

29

وقال: « … فلا ينبوع لليقين بعد طول الزمن بيننا وبين النبوة إلا سبيل المتواترات التي لم يختلف أحد في وقوعها فالإيقان بالمغيبات كالآخرة وأحوالها والملأ الأعلى وأوصافه، وصفات الله التي لا يهتدي إليها النظر

لا يمكن تحصيله إلا من الكتاب العزيز وهو الحق الذي جاءنا الله لا من

ريب

فيه؛ فعلينا أن نقف عند ما أنبأ به من غير خلط ولا زيادة ولا قياس» (1). وقال أيضاً: «نعم إن الآيات العلمية لا يعقلها إلا أهل الاستعداد للعلم واليقين. ولذلك قال لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) قال الأستاذ الإمام الذين يوقنون هم الذين خلصت نفوسهم من كل رأي وتقليد وتوجهوا إلى طلب الحق في الأمور الاعتقادية، وأخذوا على أنفسهم العهد أن يطلبوه بدليله وبرهانه، فهم إذا قام عندهم البرهان اعتقدوا وأيقنوا إيقانا، وإنما يتوقع اليقين من مثلهم لا من قوم يعتقدون الشيء أولاً بلا دليل ولا برهان ثم يلتمسون له الدليل لأن مقلديهم قالوا بوجوب معرفة الدليل فإذا أصابوه موافقاً لما اعتقدوا رضوا به وإن كان ظنياً، وإذا نهض لهم مخالفاً لتقاليدهم رفضوه وتعللوا بالتعلات المنتحلة، الجماهير من الناس الذين وصفوا في الأثر بأنهم أتباع كل ناعق: والعبرة في خطاب الشرع بأهل اليقين الذين صفت نفوسهم، ومحصت أفكارهم، فسلموا من علة العناد والمكابرة المانعين لشعاع الحق أن ينفذ إلى العقول، ولحرارته أن تخترق الصدور إلى القلوب هؤلاء هم أنصار الحق لأنهم بيقينهم لا يستطيعون المروق منه، ولا السكوت عن الانتصار له ألم تر أن كبار الصحابة كانوا يراجعون النبي صلى الله عليه وسلم فيما لم يظهر لهم دليله لأنهم طبعوا على معرفة الحق بالدليل. هؤلاء هم الناس الذين تنزل الشرائع لأجلهم، ولولا استعدادهم لها لما شرعت أو لما نجحت وأما سائر الناس فتبع لهم وعيالهم عليهم.

وهؤلاء

هم

(1) المرجع السابق، ج 1، ص 135. (2) المرجع السابق، ج 1، ص 441 - 442.