15. الرجل الأبيض .. ابن النبلاء!
الجزء ١ · صفحة ١١10
والحق إنّ الاكتشافات الجغرافية وضعت ولأول مرة منظومات
القيم في صراع مباشر. وتمخض عن ذلك انهيار قيم وظهور أخرى، ومن وجهة نظر الفاتح الغربي، فإنه بقوته وحضارته وأهدافه قد اخترق سكون ذلك العالم الخامل. ولكنه في الوقت نفسه كان يقوّض نظم العلاقات الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية، دون أن يكون معنيا بالنتائج التي تترتب على كل ذلك. لقد أجهز على المقومات الخاصة بتلك الشعوب والجماعات البشرية، وألحقت بنموذج غربي أصبح يغذي تلك المناطق بالحياة؛ لأنه امتد بنفوذه إلى أعماقها، وسيطر على المفاصل الرئيسة فيها. كان كل شيء يرتبط بأوروبا التي أصبحت مركز العالم، والعالم غير الأوروبي يحيا بها. أما فيما يخص الثورة العلمية والفكرية فإن أوروبا خرجت من العصر الوسيط وبدأت تتخلى عن مضمونها الديني الذي أشاعته أحلام العصور الوسطى، وحل محله مضمون عقلي وعلمي يهدف إلى السيطرة على العالم. صار الغرب مصدرًا لمدنية جديدة، فيما وسم العالم الآخر بالتوحش والهمجية، وأصبح القول بـ حيوية أوروبا» و «خمول العالم» شائعًا، ثنائية جديدة تحل محل ثنائيات تناسلت من بعضها قبل ذلك: في العصور الوسطى كان الإيمان يوضع قبالة الكفر، ومن قبل كان الرومان يوضعون مقابل
البرابرة. وجاء الآن دور ثنائية الحيوية والخمول، والتمدن والتوحش.