15. الرجل الأبيض .. ابن النبلاء!
الجزء ١ · صفحة ٧6
(3)
يرى المفكر النمساوي المسلم محمد أسد ليوبولد فايس؛ سابقا) أن الموقف الغربي تجاه الإسلام ليس مجرد سوء فهم أو عدم اهتمام كما هي الحال بالنسبة إلى الأديان والثقافات الأخرى، بل هو في الغالب كُره عميق الجذور، يصدر عن تعصب شديد، وهو ليس فكريا فحسب، بل يحمل صبغة عاطفية حادة غير متزنة ترجع جذورها الأولى إلى زمن الحروب الصليبية.
لقد كانت الحملات الصليبية حاسمة لأنها وقعت في زمن الطفولة الأوروبية، يوم كانت الخصائص الثقافية المميزة لأوروبا تفرض نفسها للمرة الأولى، وكانت لا تزال في طور ظهورها. والحال في الأمم لا تختلف عن حال الأفراد، فالانطباعات الحادة لمرحلة الطفولة الأولى تثبت في الشعور وما وراء الشعور خلال المراحل اللاحقة من الحياة، وتكون مغروسة في الأعماق إلى درجة لا يمكن إزالتها بسهولة، ونادرا ما يمكن إزالتها نهائيا بالخبرات الثقافية في مرحلة أكثر تروّيًا وأقل عاطفية. وكذلك كانت الحملات الصليبية، فقد أنتجت أعمق وأدوم الانطباعات على النفسية العامة الأوروبية، وكان الحماس العام الذي أثارته في زمنها لا يمكن مقارنته بأي تجربة مرت بها أوروبا من قبل، بل لا يكاد يقارن بما مرت به من بعد. فقد جرفت القارة الأوروبية كلها موجةٌ من النشوة تجاوزت - لبعض الوقت على الأقل – الحدود بين الدول والأمم، وفي ذلك الحين تحققت الوحدة الأوروبية للمرة الأولى في التاريخ، وكانت وحدة ضد العالم المسلم، ودخلت الصورة المشوهة للإسلام العقل الأوروبي لتبقى فيه مدة طويلة. وكانت صورةً تَجْمَعُ للمسلمين صفات الهمجية والوحشية والتخلف
والعدائية.
بسبب
ويضيف محمد أسد: يمكن أن نتساءل: كيف لِحِقْدِ، قديم، ديني في أصله، يحدث في ذلك الزمن تسلط الكنيسة النصرانية؛ أن يستمر في الغرب، في الوقت الذي انحسر فيه الشعور الديني بدون
شك إلى مستوى شديد التدني؟
ولكن علم النفس الحديث لا يرى هذا التناقض الظاهر غريبا أبدا، فإنه يعلم الآن أنه يمكن لفرد أن يفقد تماما معتقداته الدينية التي تلقاها في طفولته، على حين أن بعض الخرافات المتعلقة ابتداءً بتلك المعتقدات المفقودة تبقى بكل قوتها عَصِيَّةً عن أي تفسير معقول طوال حياة ذلك الفرد. انظر كتاب: