26. الذاكرة العمانية حتى لا ننسى
الجزء ١ · صفحة ٧6
الجملة أبدًا أسبقُ إلى النفوس من التفصيل، وأنك تجد الرؤية نفسها لا تصل بالبديهة إلى التفصيل، ولكنك ترى بالنظر الأوّل الوصف على الجملة، ثم ترى التفصيل عند إعادة النظر، ولذلك قالوا: النظرة الأولى حمقاء. وقالوا: لم يُنْعِم النَّظَر ولم يَسْتَقْصِ التأمل.
وهكذا الحكم في السمع وغيره من الحواس، فإنك تتبيّن من تفاصيل الصوت بأن يعاد عليك حتى تسمعه مرّةً ثانيةً ما لم تتبيّنه بالسماع الأول، وتُدرك من تفصيل طعم المَذُوق بأن تعيده إلى اللسان ما لم تعرفه في الدَّوْقَةِ الأولى. وبإدراك التفصيل يقع التفاضل بين راء وراء، وسامع وسامع،
وهكذا … ».
إلى أن قال: «وإذا كانت هذه العبرة ثابتةً في المشاهدة وما يجري مجراها مما تناله الحاسة؛ فالأمرُ في القلب كذلك، تجد الجمل أبدًا هي التي تسبق إلى الأوهام وتقع في الخاطر أوّلًا، وتجد التفاصيل مغمورة فيما بينها، وتراها لا تحضر إلا بعد إعمال للرؤية وإستعانة بالتذكر» (3). ولا رَيْبَ أنّ مواهب الله لخلقه تتفاوت وتتباين، ولذلك أثره في تقوية الذاكرة وإنعاشها، فمِنَ الناس مَنْ تراه سريع الحفظ ولو لم يَفْهَم، ومنهم مَنْ هو متوقد الذهن يَفْهَمُ بلمح البصر لكنّ الحفظ قد يشُقُ عليه، ومنهم مَنْ هو آية في سرعة الاستحضار والتذكر، وقد يَجْمَعُ اللَّهُ لإنسانٍ كُلَّ ذلك، وقد
يحرمه من جميعه
أسرار البلاغة؛ تأليف: عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني (ت 471 أو 474 هـ). قرأه وعلق عليه: محمود محمد شاكر. ط 1: 1412 هـ / 1991 م. دار المدني - جدة المملكة العربية السعودية. ص 160 – 161.