26. الذاكرة العمانية حتى لا ننسى
الجزء ١ · صفحة ٨7
ومن شواهد الاستحضار ما حكاه البَدْرُ الشَّمَّاخي في سِيَرِهِ من أخبار أبي يوسف يعقوب بن أحمد بن موسى النَّفُوسي؛ قال عنه – وقد أَدْرَكَهُ-: توفي في شوال عام أربعة وتسعين وثمانمئة، وقد جالسته مرارا وباحثثه، فما رأيتُ في جميع مَنْ لاقيتُ أكْثَرَ استحضارًا منه. لو جالَسْتَهُ يَوْمَكَ ما ظفرْتَ بكلمةٍ لَحَنَ فيها في إعراب ولا تصريف، ولا يَسْكُت ولو هُنَيْهَة! فكُل كلامه عِلْمٌ مع سُرعة لسانٍ إِنْ سَأَلْتَهُ عن مسألةٍ لا ينفصل منها إلا أن تعارضه بسؤال آخر».
وذَكَرَ من أخبار استحضاره قوله: وزُرتُه مريضًا ومعي الحاج محمد بن عبد الله العُماني السَّمائلي وعَمُّنا يونس بن محمد، فتكلما معه في علم الطب فأَفْحَمَهُما. وقال عَمُّنا يونس: إذا شَابَ ابْنُ آدَمَ تَشُبُّ [معه] خِصْلَتَانِ: الحِرْصُ وطُول الأمل. فضَمَّ شِينَ تَشِبُّ) - أَظُنُّ - فأنكر عليه، وأَخَذَ في تصريفها بلغاتها ومصادرها، فكأنه ينظر في اصلاح المنطق لابن السِّكِّيتِ أو فصيح ثَعْلَب» (4).
وما زال علماء النفس التنموي حائرين في فهم (الذاكرة الطفولية)، وبداية تلقيها، ومدى استيعابها، وقدرة الإنسان بعد ذلك على استدعائها. مع إقرارهم أن الذاكرة البشرية تكون أكثر نشاطًا وتطورًا خلال مرحلة الطفولة موازنة بالمراحل الأخرى من عمر الإنسان، وأنَّ ذاكرة الطفل
(4)
كتاب السير؛ تأليف: أبي العباس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي. دراسة وتحقيق: محمد حسن. ط 1: 1430 هـ / 2009 م. دار المدار الإسلامي- بيروت لبنان. ج 2 / ص 794 - 796.