ما أقربكم ممن أرادكم: الطواعين في الذاكرة العمانية سلطان بن مبارك بن حمد الشيباني

28. ما أقربكم ممن أرادكم! (الطواعين في الذاكرة العمانية)

الجزء ١ · صفحة ٦٢

61

رجع .... وإني المبتلى بالتردد ليلي ونهاري في المغاسل والمقابر، وقد خرجتُ لذلك ضرورة طلب الوسيلة والفضيلة، وأكثره علي لازم لعدم القائمين به دوني، وكثير من الموتى كنتُ وليا لهم، لا أجد أحدا غيري من أهل داري في جواري، وأنا مع ذلك المخلّف في بيتي صرعى هذه العلة من الأهل والأقارب والعيلة، فكم من وجيع منهم يقاسي شدة الآلام، وكم من صريع يعالج سكرات الحمام، وكم من ميت مطروح منتظر به الحاملين له، مرتقب به منهم الإفاقة، مما هم فيه وعليه من المشقة والفاقة، وكثير ممن يُحمل من السبل والمقابر ميتا أو مغشيا عليه مما نفخ بجوفه من نفخات تلك

النار.

وكم من الأموات بغير قرية نزوى قد ماتوا قتلى أهليهم، لتركهم إياهم يموتون عطشًا، وكثير منهم يخرجونهم والقائمين بهم من بيوتهم قسرا، فيموتون في الصحراء من حر الشمس، وكم من الأموات ألقوا في الفيافي والأقفار، تأكلهم السباع، لعدم القائم فيهم سنن الإسلام في الموتى. وذلك من

شدة الروع والرعب في قلوبهم، والفراق من مألوفهم ومحبوبهم، وورود وهجومه عليهم، وهم العالمون بأنفسهم أنهم المتلوثون بأقذار المعاصي والآثام، وقد رتجت أبواب المتاب، وضربت بينهم وبينه أسوار الإصرار، وحيل بينهم وبين الإنابة والاستغفار بغيهب الاغترار، فعميت عليهم الأنباء، وأظلمت منهم الأبصار، فعموا وصموا وضلوا وأضلوا عن سواء

السبيل.