28. ما أقربكم ممن أرادكم! (الطواعين في الذاكرة العمانية)
الجزء ١ · صفحة ٧6
أستحضر هذه الأبيات التي قالها الشاعر الكبير أبو مسلم البهلاني (ت 1339 هـ) رحمه الله قبل أكثر من قرن من الآن؛ بين يدي هذه الدراسة عن (الطواعين في الذاكرة العمانية، وكأنّ التاريخ يعيد نفسه في نظرة الناس للأحداث وتفسيرهم لها. العالم الغربي موغل في ماديته، لا تكاد فيه الروح البشرية تتنفس، وبقدر ما خطا خطوات نحو التقدم التقني؛ انسلخ مراحل من الارتباط الديني، فلم يعد الدين شيئا مذكورا في حياتهم، وما صارت الكنيسة سوى جزء أسود من تاريخهم وليتهم إذ عَطَّلوا الدين – كما قال أبو مسلم – سايروا الأنظمة الحضارية البراقة التي يتشدقون بها، وأنى لهم ذلك وهم ينظرون بنصف عَيْنٍ إلى مَن عَداهم، ويعدُّون كلَّ مُصلح في وطنه مِنْ أشد
عداهم!
والعجيب أن جينات الغرب البهيمية ظلت عَصِيَّةً على الزوال طوال قرون متلاحقة إلى يومنا هذا، فعندما تقرأ – مثلا – تاريخ مدينة بومبي الإيطالية، ترى تقدما معماريا لافتا للنظر، وابتكارات تقنية سبقت زمانها، وتشدُّك في الآن نفسه طبقية اجتماعية نتنة، وتوظيف دنيء للدين وتعاليمه، وحياة مغرقة في اللهو واللعب والدعارة تشمئز الأسماع من ذكرها، ويدور التاريخ دورات طويلة فلا ترى اليوم إلا قوانين تشرع سلوك المثليين، وتنظم الدعارة والفحش والمتاجرة بالأعراض، وتجرّم أي مظهر من مظاهر العفة
والشرف.