38. شيخ التراث العماني سالم بن حمد الحارثي
الجزء ١ · صفحة ٥4
كنتُ أسأله فيجيبني دون تردُّد، ولا يبالي أن يدخل مرة تلو المرة إلى مكتبته ليستخرج من نفائسها ما يؤيّد جوابه ويُطفئ غليله وغليل سائله، وربّما تَحَرَّكَ فُضولي إذا رأيتُ بين يديه وثيقةً مهمّة يقرأُها، فلا أكاد أطلبها
حتى يعطيني نسخة منها، وما خرجتُ يوما من عنده خالي الوفاض. أراني مرةً خَتْمًا عُمانيا على ظهر مخطوط عنده؛ مؤرخا في القرن العاشر الهجري، وقال: هذا مؤشّر حضاري لا بد أن يُعتنى به. كانت تستهويه مثل هذه الفوائد الشوارد وتَشُدّ، انتباهه، فيجمعها ويدوّنها، ويُخرج من بطون المخطوطات ما انْمَحَى خطه وصَعُبَتْ قراءته، فيعيد نسخه خشية ذهابه، وربّما استعار مخطوطا من هذه المكتبة أو تلك ليقارن به مخطوطاته بغية تصحيحها، ومَنْ تأمّل مكتبته قلّما يَجِدُ مخطوطًا فيها لَمْ يُسَطّر عليه شيئًا من تعليقاته النفيسة.
إنّها صحبة طويلة مع الكتب، وخبرة عميقةً بِخَباياها وخفاياها،
دو
ولَهَف شديد إلى تتبعها واقتناص طرائدها، لا يُعَبِّرُ عنه مثل قوله لي ذات مرة: أنا لا أعيش دون مَخطوطاتي وتأمل كيف ينظر إلى مخطوطاته حين
يقول في بعض كتاباته حتى إذا قلتُ إنها جوهرُ عَيْنَيَّ فغيرُ مُبَالِغ.
سألته
عن شعاره في الحياة، فقال:
وإِنَّمَا بِوَحْدَتِي أَنِسْتُ
وَقَعْرَ بَيْتِي عَنْهُمُ لَزِمْتُ
فَزادَ أُنْسِي ونَمَا السُّرُورُ بَلْ زَال بانْفِرَادِيَ المَحْذُورُ