الأبعاد الحضارية لسيرة حلقة العزابة في القرن الخامس الهجري الحاج أحمد بن حمو كروم

الأبعاد الحضارية لسيرة حلقة العزابة في القرن الخامس الهجري للحاج أحمد كروم وعمر بازين

الجزء ١ · صفحة ٧

وأحسن نظام شاهدته في هذه السير المغربية هو سرد تاريخ نظام حلقة العزابة في شمال إفريقيا وسبب تأسيسه وتفصيل قوانينه داخل الحلقة وخارجها سواء ما كان من أمر التلاميذ أو المشائخ وأعوانهم خلال فترة التكوين أو بعدها.

ولعرض هذا النظام وأبعاده الحضارية قسمنا المبحث إلى ثلاثة مطالب، ففي المطلب الأول: تعرضنا لأهمية التربية والتعليم في الحضارة الإسلامية. وفي المطلب الثاني: شرحنا قوانين حلقة العزابة. وأما في المطلب الثالث: فقد شرحنا آثار هذا النظام وأبعاده الحضارية في المجتمعات المغربية التي اعتمدت هذا النظام في مدارسها العلمية آنذاك مما أورده الدرجيني في طبقاته، والبرادي في جواهره، والوسياني في سيره، والمزاتي في سيره.

المطلب الأول:

أهمية التربية في الحضارة الإسلامية:

لقد أشادت نصوص القرآن والسنة كثيراً بأهمية التربية والتعليم في حياة المجتمع المسلم عموماً وحياة الفرد المسلم خصوصاً، قال تعالى في معرض الاعتراف بحقوق الوالدين: ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الاسراء:24].وقال أيضاً عن فضل الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - على أمته: ﴿هُوَ الذِي بَعَثَ فِي الاُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمُ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة:2].

وفي معرض التحدث بنعمة الله تعالى يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «أَدَّبَنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي» [المقدسي:27]. ويقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو يحث المسلمين على التنافس في التربية قائلاً: «مَنْ آوَى يَتِيمًا لِلَّهِ وَقَامَ بِهِ احْتِسَابًا لِلَّهِ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَاللَّهُ لا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً» [الربيع:662]. وقال أيضاً: «مَنْ عَالَ ثَلاَثَ بَنَاتٍ فَأَدَّبَهُنَّ وَزَوَّجَهُنَّ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ فَلَهُ الجَنَّةَ» [أبوداود:5147].

وقد كان الرسول يؤدب الصحابة الصغار على الخير والصلاح قائلاً لابن عباس - رضي الله عنه - مثلاً: «يَا غُلامُ سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» [البخاري:4982]. ويحرض المسلمين على مواضيع التربية قائلاً: «أَدِّبُوا أَوْلاَدِكُمْ عَلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ: حُبِّ نَبِيِّكُمْ وَحُبِّ أَهْلِ بَيْتِهِ وَتِلاَوَةِ القُرْآنِ فَإِنَّ حَمَلَةَ القُرْآنِ فِي ظِلِّ اللهِ يَوْمَ لاَ ظِلِّ إِلاَّ ظِلُّهُ مَعَ أَنْبِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ» [المناوي:1/ 292].

ولا تكون تلاوة القرآن صحيحة إلا بالتعليم الصحيح للتلاوة الصحيحة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عَلِّمُوا أَوْلادَكُمُ الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَعَلَّمَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ هُوَ» [الربيع:3]. وقد أرشد الصحابة إلى تعليم القرآن قائلاً: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» [البخاري:4664].

٧ / ٢٨