في موكب الإصلاح: صفحات من التواصل بين أعلام الإباضية ومحمد رشيد رضا سلطان بن مبارك بن حمد الشيباني

63.في موكب الإصلاح

الجزء ١ · صفحة ١٣٥

134

وفي هذا الظرف القاسي وبَيْنَ هَذَيْنِ التيارَيْنِ المتضادين نشأت مدرسة الإصلاح، وكان أهم ما عُنِيَتْ به مُحاولةُ تَحْرِيرِ عقول المسلمين من الأوهام والخرافات التي تُحْسَبُ على الإسلام، والتصدي للتهم التي تُوَجَّه إلى الدين، وقد نتج عن ذلك مُحاوَلَةُ تضييق نطاق الغَيْبِيَّاتِ في القرآن، تلافِيًا لاتهام الإسلام بالتصادم مع العقل. ونَرَى أثر ذلك واضحا في تفسير المنار، كالذي نراه فيما أملاه الشيخ محمد عبده وفيما حَرَّرَهُ تلميذه السيد محمد رشيد رضا في قصة آدم في سورة البقرة، حيث فَسَّرا آدم بالجنس البشري، والشَّجَرَةَ بالشر، والملائكة بملكات الخير، والشيطان بملكة الشر، ونَحْو هذا ما جاء في سورة الفيل في تفسير جُزْء عم للشيخ الإمام محمد عبده، مع أنّ العقل البشري مهما بَلَغَ فإنه لا يتجاوز حدوده التي أرادها الله له، ولا يتجاوز مُحيط الإنسان

المحدود.

على أنَّ كثيرًا ما تؤثر عليه البيئةُ التي يتقلب فيها، والمُحِيطُ الذي يستمد حُكْمَهُ منه، ولذلك يتطوَّرُ العقل بتطور الحياة، فيتقبَّلُ ما كان يرفضه، ويُكَذِّب ما كان يُصَدّقه. ولأجل هذا القُصُورِ في طبيعة العقل كان الحُكْمُ في العقائد والأعمال إلى الوَحْيِ لا إليه، وإنْ كان يصلح في بعض الأحيان أن يكون طريقًا لاستلهام بعض المعلومات. ولو كان العقل وَحْدَهُ جديرًا بسياسة الإنسان لَما احتيج إلى الوَحْي، ولأقام الله به حُجّته